كتاب " فرص التغيير بعد فشل الليبرالية المتطرفة وسقوط الأحادية القطبية "؛ كشفت الأزمة المالية الخطيرة التي انفجرت في صيف عام 2008 في الولايات المتحدة والعالم، زيف الأوهام التي أشاعتها آلة الدعاية الغربية طيلة عقدين من الزمن، حول القدرات غير المحدودة للأسواق
أنت هنا
قراءة كتاب فرص التغيير
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
ولا تخفي القيادات الأطلسية هدفها بادامة تمركزها العسكري في أرضنا، إلى عقود مقبلة. والأرجح أنها لن تتراجع عن قرارها الاستراتيجي هذا، على الرغم من الأزمة المالية والاقتصادية والسياسية والعسكرية التي تواجهها. فالمناورات السياسية والدعائية الهادفة إلى تمويه هذا القرار الضمني، و"الاتفاقات الأمنية" التي وقعتها مع بعض حكومات المنطقة المتعاونة، بحجة التمهيد للانسحاب، ليست سوى ذر الرماد في العيون. فهي تتناقض كلياً مع واقع زيادة عدد القوات الأطلسية في المنطقة وخاصة في أفغانستان، إضافة لبدء تراجع الرئيس الأميركي الجديد أوباما عن وعوده بالانسحاب العسكري السريع، تاركاً أمر التوقيت إلى القيادات العسكرية. فالخطة الحقيقية التي تنفّذ على مختلف المستويات السياسية والعسكرية والديبلوماسية والاعلامية، تتمثل بارغام المنطقة على الاعتياد على واقع الاحتلال الأطلسي والتعايش مع فقدان حريتها الاقتصادية والسياسية والثقافية، أي الرضوخ لعبوديتها المتجددة، في ظل أنظمة مستبدة وتابعة، بعد انكشاف خدعة نشر الديموقراطية. ولكن الاهتزاز المتزايد للمشروع الامبراطوري الأميركي وتعبه، وقد ساهمت فيهما المقاومات الوطنية والإسلامية والديموقراطية في المنطقة، يجعل افشال ذلك أمراً ممكناً في المدى المنظور. قد يبالغ بعضهم في تقديره لسرعة الحاق الهزيمة بالمشروع الاستعماري الأميركي - الأطلسي، وقد يبالغ بعضهم الآخر، في تجاهل عمق التبدلات الجارية، وثبات وجهتها. ولكن القراءة الموضوعية للوقائع، تدفع إلى النأي عن الرأيين المتطرفين. فالتراجع الأميركي والغربي على الصعيدين العالمي والاقليمي، تراجع حقيقي ولكنه بطيء ونسبي. لذا فالمواجهة مع الاحتلال الأطلسي للمنطقة، ستأخذ وقتها. والتحالف الغربي يدرك خطورة انسحابه السريع من المنطقة، ولكنه يقدر أكلاف استمرار احتلالها، خاصة اذا تفاقمت أزمته الاقتصادية، وتصاعدت المقاومة التي يواجهها. وهذا ما يتوجب على القوى الاستقلالية الحية في المنطقة، وفي مقدمتها قوى اليسار، وضعه دوماً نصب أعينها. فادراك هذه الحقيقة الاستراتيجية، بل التاريخية، هو أساس استراتيجية الثبات على خيار المقاومة. وهذه القوى مدعوة دون استثناء، لاجراء تحليل شامل للتحولات التي تجري على صعيد الواقع الدولي والاقليمي، ورصد الفرص الجديدة التي تلوح في الأفق. على أن يتم هذا بموازاة تقييمها لتجاربها السابقة، بجرأة وموضوعية وشفافية. وذلك من أجل تعميق رؤيتها النظرية، وتدقيق استراتيجيتها، وعصرنة خطابها السياسي والاجتماعي، وتطوير أشكال نضالها، وارساء علاقاتها التحالفية، على أسس أقل فئوية وأكثر ديمقراطة، لأنه السبيل شبه الوحيد، لضمان نجاحها في الاستفادة من الفرص المتاحة، وايجاد الشروط الأنسب لمواصلة المواجهة مع قوى الاحتلال وحلفائه المحليين من جهة، وبناء عوامل القوة والتكامل والوحدة والتقدم الاقتصادي والاجتماعي لشعوب المنطقة من جهة أخرى. والقراءة الواردة في هذا العمل، تحاول القاء نظرة سريعة على الخلفيات التاريخية، الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية والاستراتيجية، للتطورات الراهنة، وتحاول استشراف المرحلة القادمة، ضمن حدود الممكن. ولعلنا لا نجانب الحقيقة في اعتقادنا، أنه بمقدار ما ساهمت صدمة انهيار الاتحاد السوفياتي، في أزمة اليسار العالمي والعربي، وانحسار وزنه الجماهيري، وتراجع دوره النضالي، فان التطورات والتحولات العالمية والاقليمية الراهنة والمتوقعة، تفعل العكس. انها توجد فرصاً حقيقية لاستعادة دور متجدد وفاعل لليسار العربي، تفتقده المواجهة الحالية بنسبة كبيرة. مع الاشارة إلى أن انقضاء فترة كافية من الزمن، على انهيار المعسكر الاشتراكي، بات يسمح بقدر أكبر من الموضوعية، في النظر إلى أسبابه ومقدماته وتداعياته. وقد التبست إلى حد كبير، في خضم ردود الفعل المباشرة والمتسرعة أحياناً، التي انزلق اليها محللون ومفكرون، بعضهم يساريون سابقون، غداة ذلك السقوط. وقد بلغ قسم من هؤلاء، حد نعي مفاهيم وقيم التحرر الوطني والاشتراكية، والتهليل لليبيرالية الجديدة، والاستعمار الجديد، وتحول عن قصد أو عن غير قصد، إلى طرف في الحرب الأيديولوجية التي شنتها آلة الدعاية الأميركية والغربية لفرض أحادية سيطرتها على المشهد الفكري والثقافي العالمي. وساهمت تلك الآراء المتسرعة والملتبسة، بشكل مباشر وغير مباشر، في تفاقم أزمة اليسار العربي وتراجع دوره. ولكن الصراع بين امبراطورية رأس المال وبين أخصامها مستمر بغض النظر عن الاجتهادات. وهو صراع لن يدور بالاسلحة النارية فقط، بل ستكون الأسلحة الأيديولوجية والثقافية موازية لها من حيث الفعالية. وسيكتب النصر النهائي في هذا الصراع الشامل، ليس لمن يملك الترسانات الاكبر في لحظة ما، بل لمن يعبر عن مصالح القوى الاجتماعية الصاعدة، بغض النظر عن النكسات المؤقتة لهذا الطرف، والنجاحات العابرة للطرف المقابل.
رياض صوما


