أنت هنا

قراءة كتاب فرص التغيير

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
فرص التغيير

فرص التغيير

كتاب " فرص التغيير بعد فشل الليبرالية المتطرفة وسقوط الأحادية القطبية "؛ كشفت الأزمة المالية الخطيرة التي انفجرت في صيف عام 2008 في الولايات المتحدة والعالم، زيف الأوهام التي أشاعتها آلة الدعاية الغربية طيلة عقدين من الزمن، حول القدرات غير المحدودة للأسواق

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 5

مجالات الثورة العلمية التقنية الجارية

تأتي في المقدمة، الأبحاث والانجازات المتعلقة بالبيولوجيا الجزيئية والهندسة الوراثية، لأنها تطال جوهر أواليات الحياة لمختلف الكائنات الحية ولأشكال تجددها وتطورها، وحتى شروط استمرار بقائها. وقد جرى تقدم مذهل في هذا المجال خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، ويتوقع المزيد منه خلال العقود القادمة. فمنذ منتصف القرن السابق، وغداة انتهاء الحرب العالمية الثانية بالتحديد، أي منذ حقق العالمان الكيميائيان واطسن وكريك، كشفهما العلمي الكبير، المتمثل بتحديد التركيب الكيميائي لبنية اللولب المزدوج للكروموزومات الحاملة للبرنامج الوراثي لمختلف الكائنات الحية، افتتح ذلك المسار الذي أكمله علماء آخرون، وأوصلوه عند نهايات القرن العشرين، إلى حد فك كامل شيفرة البرنامج الوراثي البشري؛ ويتابع بعضهم، كشف البرامج الوراثية لبقية الكائنات الحية. ولن يمضي وقت طويل، حتى تكون بحوزة البشرية جداول بكل الشيفرات الوراثية الهامة. بموازاة ذلك، تتعزز بسرعة القدرات التقنية النظرية والعملانية لتحليل تركيبات البنى البروتينية ووسائل تصنيعها مختبرياً، مما يفتح أفقاً يكاد العقل يعجز راهناً عن تخيل كل احتمالاته الممكنة. والتي تشمل تصميم وصناعة أدوية جديدة نوعياً لمختلف أنواع الأمراض الناتجة عن الاصابات البكتريولوجية والفيروسية، أو تلك الناتجة عن أسباب وراثية، أو الأمراض السرطانية، وغيرها. كما تشمل، تعديل الصفات الوراثية للكثير من الكائنات الحية الموجودة في الطبيعة نباتية أو حيوانية، مما يضاعف انتاجيتها مرات عديدة. بل أكثر من ذلك، يمكننا توقع اعادة احياء بعض المنقرض منها. ويذهب بعض المطلعين، ودون مبالغة، إلى حد الجزم، بقرب التوصل في المدى المنظور، إلى تصميم وتصنيع عدد من الكائنات الحية البسيطة، دون الاعتماد على الشيفرات الوراثية الموجودة في الطبيعة، ودون اللجوء إلى آليات التزاوج والتلقيح والانجاب الطبيعية، بل من خلال التركيب المختبري الكامل. ويتصور آخرون امكانية اعتماد تقنيات الهندسة الوراثية القادمة، من أجل انتاج اسلحة بيولوجية موجهة لشل أو تشويه أو إبادة نوع معين من الكائنات الحية، أو سلالة بشرية محددة. وهكذا تتضح آفاق الإمكانات المتاحة، أمام البشرية، ايجاباً وسلباً، فأية امكانات ستتحقق؟
ويمكننا توقع إنجازات مشابهة في مجالات الفيزياء وتقنيات انتاج الطاقة وتوزيعها. فعمليات سبر التركيب الدقيق للذرات ومكوناتها تتواصل وتكشف المزيد والمزيد من اسرار المادة والكون.
ويتفاجأ الفيزيائيون مع كل اكتشاف، بمدى تعقد البنية ما دون الذرية للمادة، ولكنهم يقتربون شيئاً فشيئاً من ادراك طبيعة المادة وصفاتها العميقة، ويمتلكون قدرة متزايدة على التحكم بهذه الصفات وتسخيرها لتحقيق أهداف متزايدة الأهمية. ولم يعد الوقت الذي يتوصلون فيه إلى استغلال أواليات الاندماج النووي لانتاج الطاقة الكهربائية بعيداً. اضافة إلى تحقيق خطوات نوعية، في ميدان الاستفادة من مصادر الطاقات المتجددة والصديقة للبيئة، كطاقة الرياح، والطاقة الشمسية، وطاقة الينابيع الساخنة، والطاقة المتولدة من الفضلات العضوية، بما في ذلك امكانية وضع محطات تحويل الطاقة الشمسية في مدارات حول الأرض. وكذلك تطبيق اساليب وتقنيات جديدة لخزنها ونقلها وتوزيعها، وصولاً إلى انشاء شبكة كهربائية عالمية واحدة تضمن الاستفادة القصوى من القدرات الانتاجية المتنوعة المتاحة. اضافة لامكانية استعمال الطاقة النووية في دفع المركبات الفضائية، أو انشاء مدن مدارية حول الأرض أو حول الشمس، مما يسهل مشاريع ارتياد أرجاء المجرة والفضاء البعيد. خاصة وأنه قد تأكد وجود مئات وآلاف الأنظمة الكونية الشبيهة بنظامنا الشمسي. ولا يستبعد كثير من علماء الفيزياء والبيولوجيا، احتواءها أجراماً تعيش فيها أشكال من الكائنات الحية، أو على الأقل صالحة لايوائها. ولكن في المقابل، نجد أن ذات المعارف والتقنيات والقدرات المتوقعة، ستتيح تطوير وتعميم أنظمة عسكرية أكثر فاعلية في مجال التدمير والابادة. فماذا ستختار البشرية؟
وإذا انتقلنا إلى مجال آخر، هو مجال الالكترونيات والأتمتة والروبوتيك، فان ما أنجز، خلال الربع الأخير من القرن العشرين، قد غير وجه الكرة الأرضية، وما يتوقع انجازه، سيغيره أكثر فأكثر. لقد جعل الراديو، والتلفزيون، والهاتف المحمول، والكومبيوتر، والانترنت، العالم، إلى جانب وسائل النقل الحديثة، قرية صغيرة، كما بات شائعاً في الأدبيات المختلفة. ولعل الأبحاث المتسارعة في ميدان الذكاء الاصطناعي، تبشر بمفاجآت مذهلة. فقد توقع مدير أحد أهم المختبرات اليابانية في هذا المجال، أن يتوصل العلماء إلى تركيب روبوت بذكاء النحلة بحدود العام 2010، وروبوت بذكاء الفأرة بحدود 2020، وروبوت بذكاء القرد بحدود 2030، وروبوت بذكاء الإنسان البدائي حوالى العام 2050. سواء صحت هذه التوقعات أم لا، ضمن المهل الزمنية المقدرة، فان التقدم المتسارع في هذا الحقل البالغ الأهمية، سيسمح بتحققها ولو بتاريخ أبعد قليلاً. وستفرض قفزة تقنية بهذا الحجم تغيرات اجتماعية عميقة غير مسبوقة من حيث الأهمية، يصعب تحديد تداعياتها، على الرغم من أن بعض تباشيرها قد بدأت بالظهور منذ الآن، سواء على صعيد معدلات زيادة الانتاجية وبنية الانتاج، أو على صعيد التوزع الجغرافي للقدرات الاقتصادية، أو على صعيد شروط العمل وديمومته، أو معدلات البطالة،.... وليست الأزمة المالية - الاقتصادية التي يمر بها العالم راهناً ببعيدة عن ذلك. ولن تمضي عقود قليلة إلا وتصبح الآثار هذه، شديدة الوطأة على التوازنات الاجتماعية والاستقرار السياسي لمختلف المجتمعات المتقدمة والنامية والمتخلفة. فكيف سيعالج العالم ذلك كله؟ حتى الآن، نجحت الرأسمالية في تحفيز الثورة العلمية - التقنية، وفي الاستفادة منها. وستواصل ذلك لفترة من الزمن على الأرجح، على الرغم من الأضرار التي تسبب بها جموح صيغتها الليبيرالية المتطرفة خلال العقود الثلاثة المنصرمة. ولكن يبقى السؤال: إلى متى؟ وبأي ثمن اقتصادي وبيئي وإنساني؟ وفي خدمة من؟ وهل ستستفيد البشرية من الثورة التقنية لفهم ومعالجة المشاكل والمعضلات العالمية التي باتت تتطلب حلولاً عاجلة في المدى المباشر، وحلولاً أكثر جذرية في المدى الأبعد؟ وهل سيبقى من مبرر، أو امكانية فعلية للاحتفاظ بنظام انتاج قائم على حافز الربح، بعد تطور الروبوتات إلى مستوى يقارب قدرات العقل البشري؟ إنها ليست مسألة متعلقة بالمستقبل البعيد، بل بالعقود القليلة القادمة. إنه اختبار تاريخي ستخضع له الرأسمالية العالمية، وسيتوقف عليه مستقبلها ومستقبلنا.

الصفحات