كتاب " فرص التغيير بعد فشل الليبرالية المتطرفة وسقوط الأحادية القطبية "؛ كشفت الأزمة المالية الخطيرة التي انفجرت في صيف عام 2008 في الولايات المتحدة والعالم، زيف الأوهام التي أشاعتها آلة الدعاية الغربية طيلة عقدين من الزمن، حول القدرات غير المحدودة للأسواق
أنت هنا
قراءة كتاب فرص التغيير
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
استئناف الصراع
في نهاية عام 1974، وافق الكونغرس على مقترحات جاكسوم- فانيك، التي تتضمن رفض مساواة الاتحاد السوفياتي بالدول ذات الرعاية بالنسبة للولايات المتحدة، ومنع بنك الاستيراد الأميركي من تمويل العمليات الخاصة بالسوفيات. وجاء ذلك في سياق عودة التصلب للعلاقات السوفياتية - الأميركية. حيث رأى السوفيات أن الولايات المتحدة تلجأ مجدداً إلى استعمال العلاقات التجارية، كوسيلة ضغط عليهم. وأنها تستأنف سياسة سباق التسلح وتشديد الحصار الاستراتيجي ضدهم. كما أنها تحاول اقامة تنسيق مع الصين في مواجهتهم. وأخيراً وليس آخراً، تزيد من تدخلاتها المباشرة في شؤون أوروبا الشرقية، وشؤون الاتحاد السوفياتي الداخلية.
بينما كان الأميركيون منزعجين من استمرار الدعم السوفياتي لفييتنام ولباقي القوى المتمردة على الهيمنة الأميركية، وأنهم يحسنون دفاعاتهم التقليدية والنووية في شرق أوروبا، خاصة عبر نشرهم لمنظومة صواريخ (أس.أس.20)، اضافة لاستمرار نشاطهم في العالم الثالث، ومحاولاتهم الدؤوبة لتوسيع نفوذهم داخله. هذا النشاط الذي كان قد بدأ في منتصف الخمسينيات، باقامة علاقات تعاون أو تحالف مع هند نهرو، ومصر جمال عبد الناصر، واندونيسيا سوكارنو، وجزائر بن بيلا، تحت عنوان ضرورة اسناد الأنظمة البرجوازية الوطنية بوجه ضغوطات الامبريالية الغربية والأميركية على الأخص. وما فاقم من تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة والسوفيات اقدام هؤلاء، على تشجيع ردود واسعة على النجاح الأميركي باسقاط الأنظمة الوطنية في الدول المشار اليها، أدت إلى تحولات سياسية جذرية قادتها قوى وأحزاب تتبنى الفكر الماركسي بهذا القدر أو ذاك، وتعلن تحالفها الصريح مع الاتحاد السوفياتي، في العديد من دول العالم الثالث.
- في ربيع 1975، سحقت قوات فييتكونغ بدعم من قوات فييتنام الشمالية، جيش فييتنام الجنوبية المعد من قبل الأميركيين، وتم الاستيلاء على السلطة في سايغون. وفي ذات الوقت كانت قوات الباتيت لاو تستولي على السلطة في لاوس.
- في مطلع 1976، الحقت الحركة الشعبية لتحرير أنغولا بقيادة أغسطينو نيتو، المدعومة من السوفيات، هزيمة كاملة بالقوى الأخرى التي كانت تنافسها على السلطة.
- في شباط 1977، قبض الكولونيل منغستو هيلا مريام على السلطة في أثيوبيا، ثم تلقى مساندة مباشرة من الجيش الكوبي، لمواجهة الأخطار الاقليمية التي تعرض لها.
- في نيسان 1978، سيطر حزب نور محمد تراقي الحليف للسوفيات على مقاليد الحكم في أفغانستان. - في حزيران 1978، قام الجناح الماركسي في اليمن الجنوبي بازاحة القوى الأخرى من السلطة وتفرد بها.
- في كانون الثاني 1979، دخلت قوات فييتنام الشمالية إلى كمبوديا وأقامت فيها نظاماً موالياً مكان نظام بول بوت الدموي.
شكلت تلك النجاحات التي حققتها قوى صديقة أو حليفة للسوفيات، تعويضاً للخسائر التي كان الأميركيون قد ألحقوها بهم في أمكنة أخرى، في سياق التنافس المتواصل بينهما منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. كما شكلت دليلاً على تحول في ميزان القوى لصالح الاتحاد السوفياتي، الذي كان قد استطاع آنذاك، بلوغ مستوى التعادل العسكري الاجمالي مع الولايات المتحدة. اضافة إلى حالة الضعف النسبي الذي كان قد لحق بالادارة الأميركية اثر فضيحة ووترغيت. وكانت ادارة كارتر مسؤولة إلى حد كبير عن تسارع منحى التدهور في العلاقات الأميركية السوفياتية، حيث أقدمت عام 1977، على تعديل موقف الولايات المتحدة من اتفاقات (سالت 2). وعملت على استبعاد الاتحاد السوفياتي عن المشاركة في عملية السلام في الشرق الأوسط، ونظمت عملية الانقلاب الساداتي على التحالف المصري - السوفياتي الذي كان جمال عبد الناصر قد أرسى دعائمه. وضاعفت الجهود لاستغلال الخلاف الصيني - السوفياتي. وجمدت مبلغ ملياري دولار كانت مخصصة لتمويل مشتريات الاتحاد السوفياتي من القمح. وباشرت عام 1979، تقديم المساعدات العسكرية لقوات الطالبان التي كانت تقاتل الجيش السوفياتي. وفي عام 1980، منعت رياضييها من المشاركة في أولمبياد موسكو. ثم أوقفت بيع المعدات التقنية للمؤسسات السوفياتية، الخ..... وما أن أطل عقد الثمانينيات حتى كانت العلاقات بين الجبارين الدوليين قد اقتربت من القطيعة، فدفعها اليها مجيء رونالد ريغن إلى رئاسة الولايات المتحدة. ففي أول مؤتمر صحفي له بتاريخ 29 كانون الثاني 1981، قال: "إنّ قادة الاتحاد السوفياتي احتفظوا لأنفسهم بحق ارتكاب أي جريمة، اضافة لتميزهم بالكذب والخداع ". ثم قال في خطاب آخر ألقاه في آذار 1983: "إن الاتحاد السوفياتي ليس سوى امبراطورية للشر". ولامست العلاقات الأميركية - السوفياتية حدود الاصطدام مرة أخرى، في أول أيلول 1983، عندما اسقطت قوات الدفاع الجوي للجيش السوفياتي طائرة الخطوط الجوية الكورية (007)، وقتل في الحادث 269 راكباً كانوا على متنها. وكانت الطائرة قد اخترقت المجال الجوي السوفياتي، وحلقت عبره لعدة ساعات. وقد حملت القيادة السوفياتية الولايات المتحدة المسؤولية عن حياة الركاب الأبرياء، لأنها كلفت طاقم الطائرة بمهام تجسسية. وفي نهاية شهر أيلول ذاته، أعلن يوري أندروبوف بصفته رئيس الحزب والحكومة: " أن التطورات السياسية في العالم تزيل أي وهم بامكانية تحسين العلاقات الأميركية - السوفياتية بظل ادارة ريغن". وكان هذا الأخير قد ضاعف قبل مدة غير بعيدة، أرقام الموازنة العسكرية للبنتاغون، وأعلن استراتيجيته العسكرية الطموحة التي اشتهرت بخطة "حرب النجوم". في تلك الفترة من مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، وفي ظل ريغن وأندروبوف، كانت الحرب الباردة قد بلغت أوجها بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. وكانت قد كلفت الدولتين العظميين طيلة أربعة عقود، آلاف مليارات الدولارات، وساهمت باندلاع عشرات الحروب في أرجاء متعددة من العالم، أزهقت فيها أرواح ملايين البشر. لقد ربحت الولايات المتحدة تلك الحرب، ليس من خلال الانتصار المباشر على الاتحاد السوفياتي، وقد كان ذلك مستحيلاً بفعل توازن الرعب النووي، ولكن بفعل الانهيار السياسي للنظام السوفياتي بفعل تناقضاته الخاصة. وقد جرى ذلك اثر تجربة البيريسترويكا، التي قادها غورباتشيف في المنتصف الثاني من عقد الثمانينيات المشار اليه. لقد تميزت الرأسمالية الأميركية، والنظام السياسي الأميركي، طيلة تلك الحرب، بروح قتالية عالية ودينامية لافتة حيث نجحت القيادات الأميركية المتتابعة باستغلال الظروف الجغراسية والمعطيات الدولية الملائمة للولايات المتحدة بصورة منهجية، وكذلك نقاط ضعف الخصم السوفياتي. وقد مكن ذلك القيادات الأميركية على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين، من خوض حرب استنزاف طويلة الأمد ضد السوفيات، أنهكتهم وفاقمت مصاعبهم وأدت في النهاية إلى سقوطهم. فأفسح هذا السقوط في المجال أمام الأميركيين، لترسيخ وضعية امبراطوريتهم المهيمن، دون منافس جدي، وباتوا القوة العالمية الأولى دون منازع منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، فأداروا صراعاً حاداً لم يتوقف، بكل الوسائل الاقتصادية والتقنية والعسكرية والأمنية والأيديولوجية للحفاظ على هذا الوضع لأطول فترة ممكنة من القرن الحالي.


