كتاب " فرص التغيير بعد فشل الليبرالية المتطرفة وسقوط الأحادية القطبية "؛ كشفت الأزمة المالية الخطيرة التي انفجرت في صيف عام 2008 في الولايات المتحدة والعالم، زيف الأوهام التي أشاعتها آلة الدعاية الغربية طيلة عقدين من الزمن، حول القدرات غير المحدودة للأسواق
أنت هنا
قراءة كتاب فرص التغيير
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
الثورة التقنية تعيد صناعة العالم
بدايات التقنية والمجتمع
بعد مقدمة ابن خلدون، وكتابات أوغست كونت والاشتراكيين الأوروبيين الأوائل، ومادية كارل ماركس وفريديريك انجلز التاريخية، بات أي تحليل لحركة التاريخ على المستويات السياسية والاستراتيجية والأيديولوجية، يستند بالضرورة إلى البعد الاقتصادي- الاجتماعي لتلك الحركة. هذا البعد المرتبط بدوره بمستوى تطور القوى المنتجة، أي بتطور العلوم والتقنيات بصورة عامة. فمن المرتكزات الأولى للاقتصاد السياسي، والاقتصاد السياسي الماركسي تحديداً، الانطلاق من مستوى التطور التقني لأدوات الانتاج، كأحد معايير تحديد مستوى تطور القوى المنتجة، وبالتالي فهم طبيعة التناقضات الاجتماعية والسياسية المواكبة لها. يرقى هذا القول إلى مستوى البداهة بالنسبة إلى معتنقي الفكر الماركسي، ويحظى بقدر من القبول، من جانب أنصار العقلانية في ميدان الفكر الاقتصادي-السياسي وفلسفة التاريخ. فعندما كتب فريديريك انجلز مؤلفه (جدل الطبيعة)، لم يكن تركيزه على استعراض أهم المنجزات العلمية المتحققة آنذاك، سوى التأكيد العملي على المنهجية الجديدة في النظر إلى مجرى التاريخ البشري. وقد أوضح الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لتلك المنجزات، بهدف صياغة خلاصات تدعم مفاهيم المادية التاريخية التي شارك كارل ماركس في صياغتها، وكانت الثورة العلمية الحديثة حينها، ما زالت تخطو خطواتها الأولى. فما كان عساه يكتب اليوم في هذا المجال، لو قيض له أن يشهد القفزات المذهلة التي حققها العلماء والبحاثة والتقنيون، منذ مطلع القرن العشرين وحتى يومنا هذا؟ في سياق المنهجية ذاتها، من المفيد الإضاءة على دور الثورة التقنية المعاصرة في مجرى التطورات العالمية الراهنة، اقتصادياً واجتماعياً وفكرياً واستراتيجياً، والنظرالى الطابع المزدوج لوجهي هذه الثورة، الوجه الدافع إلى التقدم من جهة، والوجه المولد للأزمات من الجهة المقابلة، ارتباطاً بطبيعة القوى الاجتماعية الممسكة بزمامها، حيث أن فهمنا للتحولات العالمية العاصفة راهناً ومستقبلاً، يتطلب ربطها بالشروط التاريخية التي تجري في اطارها، وفي مقدمتها وتيرة الثورة التقنية المشار اليها. وهنا لا بد من التذكير بأن هذا الترابط بين طبيعة التحولات التاريخية وبين مستوى نضج تقنيات الانتاج والتبادل، قد رافق التقدم البشري منذ فجر التاريخ، ولكنه دخل طوراً نوعياً متميزاً مع بزوغ عصر الأنوار وولادة الرأسمالية في أوروبا. وهي الفترة التي شهدت مقدمات الثورة العلمية الحديثة. إذ بدأ آنذاك رهط من العلماء الاوروبيين الأفذاذ، أمثال باولو توسكانيللي ونيكولاس الكوساي وجورجيو برونو وكوبرنيكوس وغاليلي، وغيرهم، يطرحون على أنفسهم، وعلى الوعي البشري أسئلة كهذه: ما هي بالضبط العلاقة بين الأرض والشمس؟ كيف يمكن قياس حركة الشمس بدقة حسابية؟ كيف تتحرك الكواكب السيارة كمجموعة مرتبطة بالشمس؟ ومع تلك الأسئلة، بدأت ثورة علمية غير مسبوقة في تاريخ البشرية، استمرت مندفعة بقوة وزخم حتى يومنا هذا. لم يكونوا وحدهم في بداية تلك الثورة المعرفية، بل ساهم فيها إلى جانبهم، عدد من الرحالة، أمثال ماركو بولو وكريستوف كولومبوس ولورنزو بونينكوتري وغيرهم، فوسعوا حدود اليابسة ورسموا خريطة جغرافية جديدة للكرة الأرضية. وكذلك آخرون، أمثال اسحق نيوتون وباسكال وتوريتشيللي الذين قاموا بصياغة عدد من قوانين الفيزياء الحديثة، وأمثال لافوازيي وبروست وبيرثولي الذين نجحوا باكتشاف، عناصر أساسية من عناصرالطبيعة، وطرق متنوعة لاستخراج العديد من المركبات الكيميائية، كما نجحوا في تحديد صفاتها واستخداماتها الصناعية والعلاجية. هذا دون أن ننسى، بعض أبرز رواد الطب والبيولوجيا وعلم الأجناس، أمثال لامارك وداروين وباستور. وواكب طليعيي العلوم الاختبارية هؤلاء، عدد آخر من مفكري العلوم الإنسانية، ممن تركوا بصمات لا تمحى على التاريخ الإنساني، نذكر منهم: كانت، هيوم، هوبز، ديكارت، هيجل، آدم سميث، ريكاردو، فيورباخ، كارل ماركس، انجلز، كونت، وغيرهم، مما لا يتسع المجال لذكرهم، على الرغم من أهمية الدور الذي قاموا به. نعود إلى تلك المساهمات، لأنه لا يصح منهجياً وعملياً، فصل تاريخ الحداثة الرأسمالية في أوروبا، أولاً، ثم في العالم، عن تلك الثورة المعرفية والتقنية، التي غيرت ولاتزال تغير كل جوانب الحياة الإنسانية، من اساليب الانتاج والاستهلاك، إلى النظم السياسية والحقوقية، مروراً بالتصورات الأيديولوجية والقيم الأخلاقية، دون أن ننسى وسائط القتال والاستراتيجيات العسكرية. فكما ارتبطت ولادة الرأسمالية ببدايات الثورة العلمية التقنية، ارتبطت قفزاتها وأزماتها بوتائر تقدم التقنيات وسرعة انتشارها، وسترتبط نهايتها بمستقبل هذه الثورة التقنية المتسارعة. فهل يمكن فهم ديناميات العولمة الراهنة، وحتى الأزمة المالية الاقتصادية الخطيرة التي يمر بها العالم اليوم، بعيداً عن الثورة المعلوماتية التي أتاحت تحريك آلاف مليارات الدولارات يومياً على نطاق العالم بما عقد ويعقد القدرة على مراقبتها عملياً؟ أو تفسير استراتيجية السيطرة على منابع النفط وممراته خارج إطار أهمية الطاقة لتحريك عجلة الحياة في العالم، وصعوبات نشر تقنيات الطاقة البديلة وكلفتها العالية خلال العقود القادمة؟ أو تخيل مشاريع الانتشار العسكري للقوى العظمى في العالم، وخاصة مشاريع الولايات المتحدة، بمعزل عن ثورة المواصلات والاتصالات؟ الخ.... يصعب ذلك بالتأكيد. خاصة اذا أخذنا بعين الاعتبار ما ينتظرنا على هذا الصعيد. فمع أن الاكتشافات العلمية والتطبيقات التقنية التي أنجزت خلال القرن العشرين، قد تجاوزت مجمل ما توصلت اليه البشرية منذ فجر التاريخ المدون، فان ما يتوقعه العلماء والباحثون للقرن الحالي، الواحد والعشرين، سيفوق ما تحقق طوال القرن السابق بكثير، وفي مختلف مجالات المعرفة النظرية والتطبيقات العملية. فالعالم يقف على أعتاب حقبة من التقدم العلمي المتسارع، ستحكم في النهاية مجمل التطورات العالمية المقبلة، سواء على صعيد أنماط الانتاج والتبادل، أو الادارة والسيطرة، أو بناء القوة واستخدامها، أو انتاج المعرفة وتعميمها، أو التأثير على الرأي العام وتوجيهه، الخ.... ودون الانزلاق إلى نوع من الرؤية الميكانيكية للعلاقة بين طبيعة ووجهة الأحداث العالمية، وبين مستوى تقدم الثورة التقنية، يمكننا التأكيد على عمق الترابط بينهما. ولم يكن عبثاً أو مبالغة على كل حال، تسمية الاقتصاد المتقدم، منذ الآن، اقتصاد المعرفة. فالنسبة الكبرى من زيادات الانتاج الراهنة والمتوقعة، على المستويات العالمية والإقليمية، ستأتي عن طريق زيادة الانتاجية، المرتبطة مباشرة بمعدلات التطور العلمي والتقني، أكثر من ارتباطها بزيادة حجم القوى العاملة. لذا يلاحظ في أغلب الدول المتقدمة، ثبات الاهتمام بمستوى الانفاق على البحث العلمي، النظري والتطبيقي، ومستوى نوعيته ومردوديته. بل أكثر من ذلك، يرى كثيرون أنّ صورة العالم القادم، بخطوطها العامة، ستتحدد من خلال طبيعة الانجازات والتطبيقات العلمية والتقنية المقبلة. وتراتبية القوة بدورها ستزداد ارتباطاً بمستويات الانجاز العلمي والتقني. والمجتمعات التي لن تعي أهمية انخراطها في معركة استيعاب التكنولوجيا، أو التي ستفشل بذلك، نتيجة عجزها عن تأمين الانفاق اللازم لاكتساب القدرات العلمية الحديثة، أو لأي سبب آخر، ستجد نفسها أشد تخلفاً وتهميشاً، وربما ستصبح خارج التاريخ. فالسباق إلى تملك التقنيات الحديثة يصبح أكثر فأكثر، قضية حياة أو موت، سواء بالنسبة للأفراد أو للمجتمعات. من هنا أهمية القاء نظرة سريعة على الامكانات والتحديات التي يواجهها وسيواجهها عالمنا، كما يراها المختصون، لأنها ستحدد مستقبله، ومستقبلنا. من المؤكد أن التطورات العلمية والتقنية القادمة لن تستثني بآثارها المباشرة وغير المباشرة، أي جانب من جوانب الواقع المحيط بالكرة الأرضية، من البنى المادية، إلى البنى البيولوجية، وصولاً إلى البنى الاقتصادية والاجتماعية. ليس المقصود هنا القيام باستعراض شامل وتفصيلي لكل السيناريوهات المحتملة للتطور العلمي والتقني القادم، وانعكاساته المختلفة من أجل استخلاص ما يرتبط بموضوعنا. فالمهم، استشراف الوجهة العامة للتطورات المحتملة، خاصة تلك المتوقع منها أن تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر، على الشروط الموضوعية للحياة، وعلى طبيعة التطورات في مجال الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسة، وكذلك على صعيد التوازنات الاستراتيجية، وعلى أوضاع المنتجين بعقولهم وسواعدهم.


