أنت هنا

قراءة كتاب فرص التغيير

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
فرص التغيير

فرص التغيير

كتاب " فرص التغيير بعد فشل الليبرالية المتطرفة وسقوط الأحادية القطبية "؛ كشفت الأزمة المالية الخطيرة التي انفجرت في صيف عام 2008 في الولايات المتحدة والعالم، زيف الأوهام التي أشاعتها آلة الدعاية الغربية طيلة عقدين من الزمن، حول القدرات غير المحدودة للأسواق

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 7

بداية الحرب الباردة

لقد اعتبر أغلب المحللين السياسيين، أن إقرار مشروع مارشال من جهة، وتأسيس الكومنفورم من جهة أخرى، حسما انقسام أوروبا إلى معسكرين متصارعين. لقد بات جلياً منذ ذلك الوقت، أن الجانبين الأميركي والسوفياتي قد وضعا نفسيهما في خندقين متقابلين، وباشرا صراعاً شاملاً أعطي لاحقاً اسم "الحرب الباردة". وقد وضع جورج. ف. كينان، الاطار النظري لتلك الحرب، في مقال تحت عنوان "مصادر سلوك السوفييت". انطلق كينان من حقيقة كون الاتحاد السوفياتي أكثر ضعفاً من الولايات المتحدة، وأن المجتمع السوفياتي ونظامه يحملان عوامل قصور ستزيد من ضعفه. لم يكن يرى في 1947، أي تهديد عسكري مباشر من قبل السوفيات، ولكنه كان يتوقع مخاطر ذات طبيعة أيديولوجية - سياسية، كتلك التي ظهرت بوادرها، من خلال صعود الأحزاب الشيوعية الحليفة للسوفيات في ايطاليا وفرنسا ودول أخرى في أوروبا وخارجها. فاقترح اعتماد استراتيجية احتواء طويلة الأمد للاتحاد السوفياتي، لمنعه من استغلال تناقضات المجتمعات الرأسمالية، واثارة الاضطرابات والانتفاضات داخلها. وقد أوضح كينان لاحقاً في عام 1987، خلال مناقشة حول سياسة الاحتواء التي سبق وطرحها بعيد الحرب العالمية الثانية وعشية الحرب الباردة، أنه كان يعتقد يومها بوجود احتمال لوصول أحزاب شيوعية إلى السلطة في بعض الدول الهامة، وخاصة ايطاليا وفرنسا وربما اليابان. ولكنه أكد أن مقالته قد تعرضت للتحريف. فالساسة الأميركيون قد ضخموا الخطر العسكري السوفياتي، وأعطوا الأولوية للجانب العسكري من استراتيجية الاحتواء المقترحة. وترجموا ذلك بسلسلة من القرارات والتدابير والخطط التي فاقمت من مخاوف الاتحاد السوفياتي، ودفعته للانخراط في الحرب الباردة. تصرف الرسميون الأميركيون وكأن السوفيات، بدفع من عقيدتهم الثورية، سيعتمدون بالضرورة سياسات عدوانية توسعية. في المقابل رأى هؤلاء، أن الأميركيين يسعون لاستغلال تفوقهم الاقتصادي والعسكري من أجل التضييق عليهم وخنقهم. فقد وصفت الأدبيات السوفياتية آنذاك مشروع مارشال بأنه جزء من سياسة الولايات المتحدة للسيطرة على العالم. وجاء في البيان التأسيسي للكومنفورم "أن الامبريالية تتبع خطة عامة من أجل التوسع العالمي". ولم تكن تلك القناعات بدون أساس. فقد كان من أولى القرارات التي اتخذها ترومان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، قطع مساعدات "الاعارة والتأجير" للاتحاد السوفياتي، كان روزفلت قد وافق في يالطا، حيث عقد أحد أهم الاجتماعات بين قادة الحلفاء لتنظيم العالم بعد الحرب العالمية الثانية، على تأمين تعويضات لا تقل عن عشرين مليار دولار يخصص نصفها تقريباً لموسكو، ولكن عندما اجتمعت لجنة التعويضات في بوتسدام في شهر حزيران 1945، تراجعت الولايات المتحدة عن تعهداتها وتدنى المبلغ إلى أقل بكثير من توقعات السوفيات. ثم طرأ حدث آخر، عزز انطباع القيادة السوفياتية باتجاه الأميركيين لحصارهم اقتصادياً، عندما تقدمت موسكو بطلب قرض من واشنطن بقيمة 6 مليارات دولار، ولدى مراجعة مولوتوف بمصير القرض، جاءه الجواب بأن الطلب قد قدم إلى المرجع الخطأ. وبعد مدة طلب السوفيات قرضاً بقيمة مليار دولار، في اجتماع لوزراء خارجية الدول الحليفة، فلم يحصلوا على رد.ولم تقف المسألة عند حدود الحملات الإعلامية والضغط المالي والاقتصادي، بل تعدت ذلك إلى حدود الضغط والحصار العسكري. الخطوة الأولى بدأت باتفاق دنكرك، عندما وقع الأنجليز والفرنسيون على اتفاق ينص على ترتيبات دفاعية بوجه ألمانيا شكلياً. ولكن في آذار 1948، تم توسيع الاتفاق المذكور بضم دول البنيلوكس، وصار موجهاً بوضوح ضد الاتحاد السوفياتي.
وفي تموز 1948، أي بعد شهر من من تنفيذ حصار برلين، بدأت المفاوضات لاعلان تحالف رسمي مع الولايات المتحدة. وفعلاً، بعد تسعة أشهر تالية، أي في نيسان 1949، وقع في بروكسل اتفاق حلف شمال الأطلسي، الذي ضم اضافة للخمسة الأصليين، كلاً من كندا والدانمارك وايسلاندا وايطاليا والبرتغال والولايات المتحدة. وفي نيسان من العام التالي، تبنى مجلس الأمن القومي الأميركي تقريراً اعتبر السلوك السوفياتي خطراً، ويستهدف "فرض سيطرة موسكو على باقي العالم". ودعا إلى تعزيز بناء القدرات العسكرية الأميركية بما يحول دون امتلاك السوفيات زمام المبادرة الهجومية ضد الولايات المتحدة. وجاء هجوم كوريا الشمالية التي كان يدعمها السوفيات على كوريا الجنوبية في حزيران 1950، كما لو أنه تأكيد لصحة ذلك التقرير. فقد اعتبرت واشنطن أن الحرب الكورية "بداية لاندفاعة توسعية للاتحاد السوفياتي"، بينما اعتبرت موسكو أن الرد العسكري الأميركي المباشر في كوريا، تهديداً للسوفيات في منشوريا وشرق سيبيريا. لم تكن الترتيبات العسكرية الأميركية في أوروبا وحدها ما أزعج موسكو، فقد أعقبتها سلسلة من الترتيبات والمعاهدات الدفاعية المشتركة مع اليابان عام 1950، والفيليبين عام 1951، وكوريا عام 1953، والصين الوطنية عام 1954، ومع ايران وتركيا وباكستان عام 1959. وعندما تسلم الرئيس نيكسون مقاليد الحكم سنة 1969، كانت الولايات المتحدة قد أصبحت شريكاً في اتفاقات عسكرية متنوعة مع أكثر من 43 بلداً.
وكان من حق الاتحاد السوفياتي أن يرى في تلك الاتفاقات عملية تطويق استراتيجي، قد يعقبها تفكير أميركي بامكانية تحقيق انتصار عسكري عليه في أية مجابهة مباشرة. علما بأن الجنرال جروفز مدير مشروع مانهاتن، الذي أسفر عن صناعة القنبلة النووية الأميركية، اقترح في مداولات رسمية جرت عام 1946، أن تبادر الولايات المتحدة إلى ضرب أي مشروع لانتاج السلاح النووي في أية دولة من دول العالم. أما المخطط العسكري فليت وود، فقد اقترح سنة 1948، أن تتولى الطائرات الأميركية شن حملة جوية شاملة على مدن الاتحاد السوفياتي تستخدم فيها القنابل النووية. وفي عام 1950، طرح وزير البحرية الأميركي فرنسيس ماتشو أن يبادر الأميركيون لتوجيه الضربة الأولى، حتى لا يسبقهم السوفيات اليها. وعادت مثل هذه الاقتراحات المجنونة لتطرح على الهيئات المقررة وعلى الرأي العام، خلال حرب فييتنام. وكان أبرز الداعين إلى ذلك المرشح إلى رئاسة الجمهورية الاميركية باري غولدووتر. ويستطيع أي مراقب أن يتخيل شعور السوفيات حيال طروحات كهذه. ولكن لحسن حظهم وحظ الأميركيين والعالم بأسره، أن هذه الدعوات المجنونة لم تتحول إلى قرارات.

الصفحات