كتاب " فرص التغيير بعد فشل الليبرالية المتطرفة وسقوط الأحادية القطبية "؛ كشفت الأزمة المالية الخطيرة التي انفجرت في صيف عام 2008 في الولايات المتحدة والعالم، زيف الأوهام التي أشاعتها آلة الدعاية الغربية طيلة عقدين من الزمن، حول القدرات غير المحدودة للأسواق
أنت هنا
قراءة كتاب فرص التغيير
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
نهاية الحقبة الستالينية
استطاع الاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية، وتحت قيادة ستالين الصارمة، أن يحقق انجازات استراتيجية كبيرة. فقد رد على قيام الحلف الأطلسي بانشاء حلف وارسو. ثم حصل عل دعم استراتيجي غير متوقع بانتصار الثورة الشيوعية في الصين بقيادة ماو تسي تونغ. ومنع الأميركيين من القضاء على النظام الشيوعي في كوريا الشمالية. ولكن النظام الستاليني أعطى العالم صورة قاتمة عن الاتحاد السوفياتي، فاقمتها الدعاية الأميركية القوية والمهيمنة. وبعد وفاة جوزيف ستالين سنة 1953، اتجهت القيادة الجديدة إلى تجديد علاقاتها مع الغرب وتحسين صورتها في العالم. ففي 15 آذار 1953، صرح جورجي مالنكوف السكرتير الأول للحزب الشيوعي السوفياتي، " ليس هناك خلافات غير قابلة للحل مع الدول الأخرى بالوسائل السلمية، بما في ذلك الولايات المتحدة ". وفي اليوم التالي كرر أندريه غروميكو الفكرة ذاتها في الولايات المتحدة، داعياً إلى الاسراع في التفاوض حول الهدنة في كوريا. ترافق ذلك مع اعادة العلاقات الديبلوماسية مع اسرائيل، وتبادل السفراء مع يوغوسلافيا واليونان، وحل الخلافات مع تركيا. كما ترافق مع تطور ايجابي في العلاقة مع الهند واليابان، ودول أخرى. كل تلك التطورات كانت مؤشراً على تغير المناخ في موسكو بعد وفاة ستالين. وفي أيار 1955، أقدمت القيادة السوفياتية على خطوة لم تكن متوقعة، اذ بادرت إلى توقيع معاهدة سلام مع النمسا، تلاها انسحاب كامل لكل القوات الغربية واعلان حياد النمسا المطلق. وكان السوفيات يأملون أن تشكل تلك الخطوة وسيلة لاغراء شرق وغرب ألمانيا لاعادة الوحدة واعلان الحياد. ولكن عملية اعادة تسليح ألمانيا الغربية ودمجها في نطاق منظومة الدفاع الأطلسية، كانت قد قطعت شوطاً كبيراً، وبات تحقق الرغبة السوفياتية بعيد المنال. لقد أرسى الانسحاب السوفياتي من النمسا الخطوط النهائية لأوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبدا كما لو أن العالم مقبل على فترة من الهدوء.
وفعلاً، شهدت العلاقات بين الشرق والغرب، خاصة بعد مؤتمر الأقطاب الاربعة الذي عقد في جنيف في تموز 1955، مزيداً من التحسن. وفي شباط 1956، ألقى نيكيتا خروتشيف خطابين هامين أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي، تميّزاً بثلاث أطروحات مفاجئة.
الأولى: تعرية المرحلة الستالينية، بكل ما رافقها من تعسف وأخطاء وجرائم. الثانية: اعلان تحويل تكتيك التعايش السلمي بين الاشتراكية والرأسمالية التي كان لينين أول من اعتمده، إلى استراتيجية ثابتة ودائمة. الثالثة: الموافقة على حق كل دولة ومجتمع باختيار طريقه الخاص إلى الاشتراكية. وقد أطلقت تلك الطروحات جدلاً واسعاً داخل صفوف الحركة الشيوعية واليسارية في العالم، وانقسمت الأوساط التقدمية في العالم بين مؤيد ومتحفظ ومعارض. وكان من الممكن أن تفسح أفكار خروتشيف الجديدة في المجال لزيادة فرص التهدئة التي كانت قد بدأت على صعيد العلاقات بين الشرق والغرب، ولكن ما حصل فعلا كان مغايراً. كان من النتائج المباشرة لتلك الطروحات، انفجار اضطرابات واسعة في عدد من دول أوروبا الشرقية، أخطرها في بولونيا والمجر حيث استطاع جومولكا استيعابها في بولونيا، دون اضطرار السوفيات للتدخل، ولكن القيادة المجرية عجزت عن ذلك. ففي 30 تشرين الأول 1956، أعلن رئيس وزراء المجر ايمري ناجي، أن المجر لن تستمر بقيادة الحزب الواحد، وستخرج من حلف وارسو وتعلن حيادها. ولكن في 4 تشرين الثاني، أي بعد خمسة أيام، قامت القوات السوفياتية بسحق الانتفاضة الموالية للغرب، وسلمت السلطة إلى جانوس كادار. أدانت الدول الغربية التدخل السوفياتي في المجر، ولكنها كانت متورطة في العدوان الثلاثي على مصر، الذي كان قد تم في 29 تشرين الأول 1956، حيث أقدمت اسرائيل وفرنسا وبريطانيا على شن هجوم منسق على مصر لاعادة السيطرة عل ادارة قناة السويس التي كان الرئيس جمال عبد الناصر قد أعلن تأميمها. لم يكن التأميم سوى الذريعة المباشرة للعدوان، التي غطت الأسباب الأخرى التي لا تقل أهمية. منها صفقة السلاح الشهيرة التي كانت القيادة المصرية الجديدة قد عقدتها مع التشيك بموافقة السوفيات، والتي كسر جمال عبد الناصر بموجبها حصار التسليح الذي كان الغرب قد فرضه على الثورة المصرية. ومنها الحذر، بل النقمة، على سياسات ناصر الجديدة على صعيد المنطقة العربية وعلى صعيد العالم الثالث عامة. فقبل سنة تقريباً من العدوان الثلاثي على مصر كان زعماء آسيا وافريقيا، قد عقدوا مؤتمرهم التاريخي في باندونغ. وكانوا قد اتفقوا، على الرغم من تبايناتهم الأيديولوجية والسياسية، على حد أدنى من التوجهات التي تسمح باستكمال استقلالهم السياسي الحديث العهد وتثبيته. وكانوا جميعاً مقتنعين بأن طموحهم لبناء اقتصاد وطني مستقل ومجتمع متحرر، سيضعهم في مواجهة الغرب الأطلسي المهيمن، خاصة وأن غالبيتهم لم تكن مقتنعة بالمشاركة في استراتيجية محاصرة الاتحاد السوفياتي، دون أن يعني ذلك استعدادهم للانضمام إلى صف السوفيات. وهكذا نشأت فكرة الحياد الايجابي، ولم تكن بعيدة عن التوجهات الصينية غير المتبلورة بعد آنذاك. وقد حقد الغرب على قادة باندونغ البارزين وفي مقدمتهم (ناصر وسوكارنو ونكروما وموديبو كيتا)، وقد تخلص منهم تباعاً عبر الانقلابات العسكرية أو القتل والتصفية الجسدية. ولم يكن العدوان الثلاثي على مصر سوى احدى المحاولات الأولى لوأد روح باندونغ، لحقته محاولات أخرى عديدة، منها العدوان الاسرائيلي في 5 حزيران 1967 حيث انتقم الغرب عبرها بقيادة الولايات المتحدة من قادة باندونغ جميعاً، بين 1956 و1968. ولكن المشروع الذي طرحه أولئك القادة، والذي أكد على: تنمية القوى المنتجة وتنويع أوجه الانتاج والتصنيع، وعلى دور الدولة الوطنية في ادارة النهوض الاقتصادي، وعلى تأمين قدر من العدالة الاجتماعية ومراعاة حقوق المنتجين والفقراء، والحد من التبعية للمراكز الرأسمالية العالمية، بقي حتى اليوم عنوان نضال العالم النامي. لقد فشل العدوان الثلاثي في اسقاط نظام عبد الناصر، وقد ساهم في افشاله، المقاومة المصرية القوية، والتهديد السوفياتي بالرد على العدوان، والتردد الاميركي بدعم المعتدين. وأدى ذلك إلى تسريع عملية الانكفاء الشامل للاستعمارين الفرنسي والبريطاني عن المنطقة العربية، التي انتقلت بعده إلى حقبة الاستقطاب الثنائي الأميركي- السوفياتي. كما أدى إلى صعود سريع لحركة القومية العربية بقيادة مصر الناصرية، والى تعزيز النفوذ السوفياتي في منطقة الشرق الأوسط. مما دفع بالأميركيين لاعلان مبدأ أيزنهاور الخاص بمنطقة الشرق الأوسط، في كانون الثاني1957، الذي تضمن استعدادهم لتقديم المساعدة الاقتصادية والعسكرية لاي بلد في المنطقة، يرغب في تأمين حماية نفسه من "خطر الشيوعية الدولية". وترجم الأميركيون ذلك، بزيادة شحنات السلاح إلى دول المنطقة، وخاصة اسرائيل والأردن، وأقدموا على انزال بحري في لبنان عام 1958. وكان التوتر قد ازداد تصاعداً بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي اعتباراً من تشرين الأول 1957، بسبب نجاح الاخير باطلاق اول قمر صناعي في تاريخ البشرية. حيث انتقل الاميركيون من حالة الاستهانة النسبية بالقدرات السوفياتية إلى مرحلة القلق الشديد من قدرتهم التقنية المتصاعدة والتي وضعت الولايات المتحدة لأول مرة في تاريخها تحت مرمى النيران، المتمثلة بالصواريخ النووية البالستية السوفياتية. في آب 1958، قامت الصين الشعبية بقصف ثقيل لجزيرتي كيجوي وماتسو المتنازع عليهما مع تايوان، مما أدى لتصاعد التوتر بين الصين والولايات المتحدة. ودفع ذلك الصين لتسريع برنامجها النووي لخلق توازن نسبي مع القوة الأميركية. وبات على الأميركيين مواجهة قوتين نوويتين في الوقت عينه. وفي السنة ذاتها، اندلعت الأزمة الثانية حول برلين، وتطورت إلى فرض حصار سوفياتي عليها. وقد هدد السوفيات باعتبار أي محاولة غربية لكسر الحصار بمثابة اعلان حرب على الاتحاد السوفياتي. لقد كانت القيادة السوفياتية تريد خلال تلك الأزمة، انتزاع اعتراف من الغربيين بألمانيا الشرقية. وبعد سلسلة من الاجتماعات لوزراء الخارجية، قبلت بفك الحصار، وتابعت مطالبتها بالحصول على اعتراف بألمانيا الشرقية. وتواصلت الأزمات الاقليمية والدولية بعد ذلك بصورة متقطعة، كما جرت حروب اقليمية ومحلية عديدة، تخللتها فترات قصيرة من الهدوء والانفراج. وكانت أزمة اسقاط السوفيات لطائرة الاستطلاع الأميركية (يو 2) في أيار 1960، فاتحة تلك الحقبة من الأزمات. تلتها أزمة أكثر خطورة، بعد فشل عملية الغزو لخليج الخنازير في كوبا، وذلك في 22 تشرين الاول 1962، عندما فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على كوبا اثر اكتشافها لمنصات صواريخ نووية سوفياتية في الجزيرة المعاندة. ورد السوفيات باعلان استنفار نووي لقوات حلف وارسو. واقتضى الأمر خمسة ايام من المفاوضات الصعبة، قادها خروتشيف من الجانب السوفياتي وجون كينيدي من الجانب الأميركي. وفي النهاية توصلا إلى حل تم بموجبه سحب منصات الصواريخ، لقاء تعهد أميركي بعدم الاعتداء على كوبا مجدداً. وتنفس العالم الصعداء، لأن تلك الأزمة كانت قد وضعت الدولتين العظميين على حافة الصدام.ولكن تلك التجربة أظهرت للقادة الأميركيين والسوفيات حجم المخاطر التي تنتظرهم اذا واصلوا سياسات المجابهة. فبادر كينيدي في حزيران 1963، وفي خطاب ألقاه باحدى جامعات واشنطن إلى اعلان رغبة الولايات المتحدة بخفض التوتر مع الاتحاد السوفياتي، وفتح صفحة جديدة من العلاقات الايجابية بين البلدين.


