كتاب " أوراق الياسمين " ، تأليف ابتسام مصطفى حسن رمضان ، والذي صدر عن دار الجنان للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
أنت هنا
قراءة كتاب أوراق الياسمين
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

أوراق الياسمين
طوال سنوات مضت لم يخيب وجيه ظنها وكان رجلآ تفتخر به , وبقلبه الذي يضم اسمى العواطف والاحاسيس فقد ابتدأ معها العمر بقصة حب اسطورية عندما اشرق بهاء وجهها على حياته , وعندما قبَلها وجيه عاد بذاكرته للايام العذبة التي مضت عندما اسقت سعاد زهور حياته التي ظن انها ذبلت ولكن وجودها اعاد له الحياة من جديد بعد أن طافت فراشاتها الرقيقة على زهور قلبه واسقت بحبها ما جف من ايامه , فكان ممتن للاقدار التي وضعت بدربه زوجه متجددة , ملكت بشخصها القدرة على الالهام والتغيير وايقنت كيف تقوي دعائم علاقتها به وتقوي الرابطة بينهما حتى بعد انقضاء اعوام وسنين على زواجهما وضمها وجيه الى صدره , فملكته قلبآ وعقلآ وكيانآ , وقدم لها وجيه لحظات جميلة لن يكون بمقدورها ان تنساها .
انهت سعاد عملها بالمدرسة وعادت الى منزلها لتحضر طعام الغذاء لعائلتها وكذلك لعائلة دينا التي ستأتي لزيارتهم , وساعدت ربما والدتها بتجهيز المائدة وامتلأ المنزل بالروائح الشهية , واجتمعت العائلة على المائدة التي زخرت بالاطباق الشهية ,وتعالت اصوات ضحكاتهم وكان يوما جميلآ , ولكن قرات سعاد نظرات الالم بعيون سمير رغم محاولته اخفائها وجلس وكأنه غريب الديار ومكبل بوثاق لا يستطيع ان ينجو منه وان دينا تفتعل السعادة لتخفي بقلبها المها عن عائلتها , وعاد سمير الى منزله مع عائلته واستلقى على سريره وحاول النوم , ولكن طيف معشوقته الاولى زاره وفاض قلبه بالاحاسيس الجميلة ,ولم يستطيع ان يهرب من افكاره ومن هواجسه التي تعتريه .
وفي المساء شعرت سعاد بالوهن والضعف الذي كان يزداد مع اقترابها من عامها الخمسين , وكانت تعيش بتغيرات فسيولوجية كثيرة جعلتها تدرك انها ستفقد انوثتها وقدرتها على الانجاب , فاحست ان الحياة قد انتهت وان انوثتها تبعثرت فوق سراب الحياة , فقررت ان تذهب الى عيادة الطبيب منير , وفي الصباح ارتدت سعاد ثيابها التي كانت تزيد من اناقتها وجمالها , ونزلت درج منزلها والتقت بجارتها , و القت عليها سعاد التحية ومضت بطريقها الى عيادة الطبيب التي اعتقدت انه يملك المفاتيح السحرية لاعادة الزمن للوراء , وصلت سعاد الى العيادة المكتظة بالنسوة وكانت تستمع الى احاديثهن وشكواهن من اعراض مرحلة كن ينتقلن اليها رغمآ عنهن , اشارت لها الموظفة بملأ الورقة بالمعلومات الخاصة بها ,كاسمها وعنوانها وتاريخها المرضي , ثم خرجت المريضة من غرفة الطبيب واشارت لها الموظفة بالدخول ,وما ان راها الطبيب منير حتى شعر انه بدأ مع العمر المغامرة من جديد ليكون على موعد مع الحياة , بعد ان تمركزت باضلعه واصبحت اميرة قلبه , وكان الطبيب يستمع لشكواها وللاعراض التي تشكو منها واخبرها انها اعراض طبيعية تمر بها كل امراة بهذا العمر , ووصف لها الطبيب بعض الادوية والعقاقير التي ستخفف عنها المها ونصحها بممارسة التمارين الرياضية , وطلب منها الالتزام بوقت تناول الدواء , ثم شكرته سعاد ومضت بطريقها واشترت سعاد الادوية من الصيدلية , وامسكت بها وهي تشعر بالسعادة لاحساسها ان هذه الادوية ستخفف عنها الالم الذي تعاني منه .
وحضرت صديقاتها الى المنزل للاطمئنان عليها واخذت كل واحدة منهن تسرد روايتها مع الحياة وكان لكل واحدة منهن شخصية تميزها عن الاخرى , فاميرة التي انهت عامها السابع والاربعين بجدارة والتي بدات مسيرتها بالعمل بمدرسة سعاد والتي كانت مثال للمعلمة المتميزة التي استطاعت ان تزرع بذور العلم بنفوس الطلبة , وتوفيت والدتها وتحملت هي عناء تربية اخوتها الا ان كبروا واصبح لكل واحد منهم حياته الخاصة , بعد ان تزوجوا وعاشوا باجواء عائلية غابت عن حياة اميرة لانها لم تحظى بزوج وبقيت وحيدة بمنزلها , ولكن طموحها كان يكبر بقلبها بان تعيش الحياة باسلوب مختلف عما عاشته سابقآ , ولم تخفت عزيمتها بالحياة رغم غياب شموس الدنيا عن حياتها وكانت تشكو من اعراض هذه المرحلة وما تسببه لها من قلق واضطراب .
فسن الاربعين هو سن النضوج الفكري والعقلي , وتختلف فيه نظرة المراة للحياة الى جانب كل هذه الايجابيات تعتبر هذه المرحلة حرجة بحياتها لما فيها من تغيرات فسيولوجية وسيكولوجية تطرا على على شخصيتها , وبظل هذه التغيرات تشعر المراة ان سنوات عمرها قد ضاعت منها هباءآ, فتغرق على رمال الشوق احلامها وتنتظر بجنون الشوق من يحملها الى بر الامان وتكون تائهة بين مد الحياة وجزرها بليلآ تتشابك معه الايادي , وتتعانق معه الارواح وتبحث المراة عن لقاء مرتقب مع الزمن تعانق به سنوات عمرها وشبابها وتنتظر من يشرق بفضاء قلبها , ويعصف به شوقا وحبا , كاميرة التي بقيت تنتظر من يخرجها من فضاء عزلتها وحرمانها لتشعر بانوثتها وباهميتها , ويلملم احرف حياتها المبعثرة , ويسكن بحدائق عقلها وفكرها ويبد ظلام وحدتها وقسوة زمنها , اما صديقتها جلنار التي اكملت عامها السادس والاربعين والتي كانت تقيم بكندا وولدت جلنار هناك لاب عربي وام اجنبية وكان جمالها مزيج من الجمال الاوروبي والعربي معا , والتقت بزوجها فارس مبرمج الحاسوب المبدع , وتخرجت جلنار من كلية الفنون التشكيلية وانعكس ذلك على هندامها وذوقها بانتقاء الثياب , واخبرتهن جلنار عن اجواء الشتاء الجميلة التي عاشتها وشعرت بالحنين لتلك الايام التي مضت , وكان اجتماع النسوة معا من الاوقات المحببة الى قلوبهن وحاولت جلنار التخفيف عن صديقاتها من شكواهن من هذه المرحلة واخبرتهن قائلة : ان المراة تمر بحياتها بعدة مراحل وتطورات تنعكس على شخصها , ولكن عليها ان لا تنظر للموضوع من زاوية معينة وعليها تجاوز هذه المرحلة فالمراة عندما تصل لذلك السن تكون قد نضجت فكريا وانهت التزامها ويصبح لديها مساحة اكبر من الحرية لممارسة هواية معينة , او تحقيق حلم يراودها منذ زمن باكمال دراستها فتصبح اكثر مرونة بالحياة , فجمال المراة ليس بشكلها ولكنه خليط من روحها وكيانها وفكرها وكبريائها الممزوج بالعنفوان فحالة انقطاع الطمث , وعدم القدرة على الانجاب مرتبط بعقلها اللاوعي باحساسها بالخسارة وعدم الثقة والاستقرار , وكانت اميرة من داخلها تشعر بالالم لعدم وجود من يساندها ويخفف عنها من مشاعرها بهذه المرحلة التي تحتاج بها لمن يحمل احلامها الى بر الامان , واضافت سعاد قائلة : ان المراة بخريف العمر تحاول جاهدة اعادة الزمن للوراء وتقف مع ذاتها , وتتامل الانجازات التي حققتها بحياتها وتختلف الاجابة من امراة لامراة حسب تكوينها النفسي واسلوب حياتها وشخصيتها وطريقة تفكيرها وتقييمها للامور , فالمراة التي اعطت من قلبها سنوات عمرها وعاشت الحياة بكل تفاصيلها الحلوة والمرة تستحق الاهتمام بوقت تشعر به بخيبة الامل , وغربة المشاعر , وضياع الايام ,فكم من امراة لم تحقق طموحها واحلامها , وكم من امراة اعطت من قلبها سنوات عمرها ولم تجد من يساندها بهذه الفترة التي تشعربها بخيبة الامل وضياع العمر, وتكون بحاجة للجسد الذي عانقها ايام عمرها الاولى فاضاءت حياته بشمس الامل , واسقت زهور قلبه بالحب والحنان , وهنا يكمن دور الرجل ليمطر حبا وشوقا للمراة التي وهبته حياتها بخريف تذبل معه الاوراق .

