أنت هنا

قراءة كتاب المناهج الكيفية في العلوم الإجتماعية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
المناهج الكيفية في العلوم الإجتماعية

المناهج الكيفية في العلوم الإجتماعية

كتاب " المناهج الكيفية في العلوم الإجتماعية " ، تأليف د. عبد القادر عرابي ، والذي صدر عن دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر عام 2014 .

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
دار النشر:
الصفحة رقم: 9

خامساً- تاريخ البحث الكيفي

سبق أن أشرنا إلى أن تاريخ البحث الكيفي ضارب بجذوره في التاريخ، ولا نعتد من جانبنا بالدراسات التي تشير هنا وهناك إلى هذا المنهج. ولا أتوانى عن القول إنَّ عملية التفكير بالوجود الإنساني هي عملية كيفية قديمة. فالمتتبع للتاريخ الاجتماعي يجد كثيراً من الدراسات التي تصف حياة الإنسان والمجتمعات والأفراد، وسير حياتهم. وأكتفي هنا بالإشارة إلى مقدمة ابن خلدون وتحليلها لتاريخ المجتمع العربي وواقعه.

وأحسب أن معظم الدراسات التي ظهرت في ألمانية في القرنين التاسع عشر والعشرين قد استخدمت أسلوب البحث الكيفي، كدراسات ماركس، وفيبر، وتونيز وزمل وألفرد فيبر عن علم الاجتماع الثقافي، حتى النظريات الاجتماعية، التي تطورت في تلك المرحلة، فهي صور كيفية عن حياة المجتمعات وانتقالها من المرحلة البسيطة إلى المرحلة الحديثة. فهي ليست تنظيراً منقطعاً عن الحياة، بل تحليلاً للتغير الاجتماعي والثقافي، وتحليلاً صادقاً لتغير صورة الإنسان. الجديد في الأمر هو المنعطف الإبستمولوجي الذي طرأ على هذا المنهج في القرنين التاسع عشر والعشرين، وتطوير مداخل منهجية وعلمية جديدة إلى فهم الإنسان، بعضها ذو أصل نفسي اجتماعي كالتفاعلية الرمزية عند جورج هربرت ميد، وبعضها ذو أصل فلسفي اجتماعي، كالظاهراتية، عند إدموند هوسرل و ألفرد شوتس، وبعضها إثنوميتودولوجي. على أن الجديد في الأمر هو اكتشاف الهرمينوطيقة ودورها في الفهم والتواصل والتفاعل بين البشر، أو اللغة وعالم الحياة. وسنجد لاحقاً أن هايدغر يقول: اللغة تتكلم، وعندما تتكلم اللغة، يتكلم الإنسان، فاللغة هي مفتاح الحياة والإنسان والتفاعل والتواصل (هابرماس). اللغة تتكلم في التاريخ، وفي الثقافة، لكن كيف نفكك رموز هذه اللغة، ودلالالتها؟

وبخلاف ماهو شائع علمياً، فإننا نصنف معظم الدراسات الكلاسيكية في علم الاجتماع ضمن المنهج الكيفي، ونشير في هذا الصدد إلى دراسات كارل ماركس وفيرنر زمبارت وغيرهما عن الرأسمالية، وبحوث فيبر عن «الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية»، وعن الإدارة والدولة، ودراسات منهايم في علم اجتماع المعرفة.. إلخ. ومن أهم الدراسات التي تجمع بين منهجي البحث الكيفي والكمي هي دراسة دوركهايم عن (الانتحار).

وغالباً ما تشير الدراسات أيضاً إلى دراسة مدرسة شيكاغو التي قام بها توماس وزنانيكي W. I. Thomas und F. Znaniecki (1918-1920): Polish Peasant ، وهي بحث في أشكال تكيف الفلاحين البولنديين مع ظروف المدينة الصناعية في شيكاغو، الذين انحدروا من ظروف تقليدية. أما الأهمية المنهجية للموضوع فتكمن في حجم المادة المدروسة وتنوعها، وفي اختلاف المناهج المستخدمة وتنوعها، كالاستبيان والمقابلة، وتحليل الوثائق، وفي استخدام مناهج جديدة، كتحليل المراسلات، وسير الحياة التي كلف بكتابتها بعض المبحوثين. وهناك دراسة جهودا ولاتسرزفلد عن العاطلين عن العمل في (مارينفيلد)[157] ، وأثر البطالة في حياتهم وسلوكهم.

وتعتبر دراسة أدورنو ( Adorno ) عن (الشخصية التسلطية) التي أجراها عام 1950 في أمريكة، مع ماري جهودا وآخرين من أبرز الدراسات في هذا المجال. وتبحث الدراسة في بنية (الشخصية المتسلطة)، وفي دور الآباء، واضطهاد الأقليات الدينية والإثنية. وقد توصلت الدراسة إلى وجود علاقة قوية بين مجموعة من الخصائص الشخصية والموقف العدواني من الأقليات، وبين بنية الشخصية ومزاعمها الخاطئة عن هذه الأقليات.

فالسؤال يدور حول العلاقة بين بنية الشخصية وتأثرها السياسي وموقفها من الأقليات، أو بين بنية الشخصية وموقفها العدواني نحو الأقليات الدينية والعرقية. وقد بحثت هذه المشكلة من خلال دراسة مجموعة من المشاركين في الحرب[158]. فالدراسة محاولة لفهم الديماغوجية (التعصب الإيديولوجي)، هؤلاء المحرضون هم (الطاقة الفاشية)، أو (أنبياء الكذب)[159] ، هم الذين يتغلغلون إلى باطن الأنفس، وهم غير المتسامحين، هم الذين لعبوا دوراً في وصول النظم الفاشية قبل الحرب العالمية الثانية إلى السلطة. وتتميز هذه الجماعة بعدم الرضا والتذمر الاجتماعي، فهي تتذمر من الظروف الاقتصادية السيئة، ومن الظروف السياسية والثقافية، التي يستغلها المحرض، فيصوِّر الأقليات أو الدول الخارجية وكأنها هي المسؤولة عن بؤس هذه الجماعات. فالآخر هو المسؤول عن الظروف الاقتصادية السيئة، وعن الظروف السياسية، وعن الانحطاط الثقافي والأخلاقي، وبذلك تصور الأقليات وكأنها هي المسؤولة[160]. فالمحرض يستغل ذلك، ويزرع عدم الثقة والشك بالآخرين، والخوف منهم، والعزلة عنهم. إن صورة العالم هي صورة المؤامرة والعداء ورفض العالمية[161]، واتهام الغرباء والأعداء الدائمين والمجرمين.

كما تبحث الدراسة في بنية المواقف العنصرية لهذه الجماعات، وفي تصورات عالمها الاقتصادية والسياسية، وانتماءاتها الجماعية بالنظر إلى عنصريتها وتهميشها للآخرين[162]، كالسود والأقليات. وقد تمت دراسة هذه المشكلة من خلال تطوير مقياس العنصرية[163]، وموقفهم من السود والأقليات، والوطنية الأصولية.

كما قام الباحثون بمقابلات معمقة لدراسة بنى الشخصية الدينامية والمعرفية في ضوء المقابلات[164]، كما استخدموا مناهج تحليل البروتوكولات، وقاسوا العناصر غير الديمقرطية في بنية الشخصية. وقد توصلت الدراسة إلى أن الفاشية بناء معقد جداً، وأن هناك علاقة بين خصائص الشخصية الأساسية وبين هذه البنية الفاشية[165].

الصفحات