كتاب " مقدمة في اقتصاديات البيئة " ، تأليف د.
أنت هنا
قراءة كتاب مقدمة في اقتصاديات البيئة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
المبحث الثالث : السلع الخاصة والسلع العامة
ترى النظريات الكلاسيكية التي تناولت البيئة الطبيعية أو الموارد الطبيعية أنها مورد لا ينضب، ولكي نستطيع أن نعرف حقيقة هذه المقولة، ينبغي علينا أن نميز بين السلع العامة (Public Goods) والسلع الخاصة (Private Goods)، فالسلع العامة تعرف بأنها السلع التي تستهلك بكميات متساوية من قبل المجتمع، كما أنها غير قابلة للتجزئة فيما بين الأفراد. أما السلع الخاصة فهي تلك السلع التي يمكن لأفراد معينين استخدامها، كما أن الافراد يتنافسون على هذا الاستخدام بحيث يمكن استثناء بعض الأفراد من استخدامها(22).
ويلاحظ أن البيئة ينطبق عليها التعريف بأنها سلعة عامة، غير أنه مع التدقيق والتحليل نستنتج أن هذا يعد أمراً صحيحاً قبل الثورة الصناعية أي قبل أن تمتد يد الإنسان للعبث بالبيئة، حيث كانت السلع البيئية (كالهواء النظيف، المياه النظيفة) غير محددة وتتسم بالوفرة. فقد كان الأفراد كافة يتمكنون من استهلاك هذه السلع البيئية دون مجال للتنافس فيما بينهم، بيد أن ما نلاحظه اليوم من ممارسات تنتهي بالتلوث البيئي ومن أهمها:
· إلقاء مخلفات المصانع في الانهار والبحيرات.
· التلوث النووي.
· التلوث الهوائي.
هذا ما أدى إلى حدوث تحول في طبيعة البيئة كسلعة، بما أنها فقدت جزءاً هاماً من مضمون تعريف السلع العامة، ولم تعد بالوفرة التي كانت عليها، حيث أن استهلاك الفرد في الوقت الحاضر يؤثر في استهلاك غيره من الأفراد(23).
وخير دليل على قولنا هذا هو قيام أحد المصانع بنشاط إنتاجي معين قد يؤثر سلباً على صحة الأفراد وبالتالي تحمل تكلفة العلاج والدواء، لأن استهلاك المصانع للهواء أو الماء يحمل المجتمع تكلفة مباشرة. وهكذا أصبح مفهوم البيئة مرتبطاً بمفهوم السلع ذات المنافع الجماعية لأنها سلع غير محدودة وليس لأحد حق ملكيتها ولكنها تشكل مجالاً للتنافس.
وعموما فإن السلعة العامة هي تلك السلعة التي يمكن تزويدها للجميع بنفس البساطة التي نزود فرداً واحداً بها. والحالة رقم واحد من السلع العامة هي الدفاع الوطني، فلاشيء مهم للمجتمع كالأمن. لكن الدفاع القومي كسلعة اقتصادية، يختلف كلياً عن سلعة خاصة كالخبز مثلا. فمن الممكن تقسيم عشرة أرغفة من الخبز بطرق عدة بين عدد من الأفراد، وما أكله لا يمكن لغيري أن يعيد أكله. لكن عند توفير الدفاع الوطني فإن تأثيره يشمل الجميع بالتساوي ولا فرق بين شاب أو عجوز، مسالماً أو عدوانياً، أميا أو متعلما – فسوف يحصل على القدر ذاته من الأمن القومي من الجيش كما هو الحال بالنسبة لكل مقيم في الدولة.
لاحظ التعارض الصارخ: قرار توفير مستوى معين من سلعة عامة مثل الدفاع الوطني سوف يقود إلى بناء عدد من الغواصات والصواريخ عابرة القارات والدبابات لحماية كل واحد منا. وبعكس ذلك، فإن قرار استهلاك سلعة خاصة مثل الخبز هو عمل فردي. يمكنك تناول 4 قطع من الخبز أو اثنتين أو رغيفاً كاملاً، فالقرار يعود إليك كلية ولا يلزم أحداً آخر بكمية معينة من استهلاك الخبز.
إن مثال الدفاع الوطني هو مثال صارخ ومتطرف عن السلع العامة لكن حين تفكر في التطعيم ضد الجدري، أو فرقة موسيقية في متنزه، أو سد في أعلى النهر لمنع أضرار الفيضان أسفل النهر، والعديد من المشاريع الحكومية المماثلة، فسوف تجد عناصر من السلع العامة متضمنة فيها.
وباختصار فالسلع العامة هي سلع لا يمكن تقسيم منافعها بين أفراد المجتمع، سواء أرغب الأفراد في شراء تلك السلعة العامة أم لم يرغبوا. والسلع الخاصة، خلافا لذلك، هي تلك التي يمكن تقسيمها وتوفيرها بصورة منفصلة لمختلف الأفراد، من دون تكاليف أومنافع خارجية للآخرين. ويتطلب التوفير الكفء للسلع العامة عملاً حكومياً، في حين يمكن توزيع السلع الخاصة بكفاءة من خلال الأسواق.
وعلاوة على السلع العامة، فإننا غالبا ما نرى "مكاره" عامة، وهي سلع عامة تفرض أعباء متساوية على جماعة من الناس. وهي نواتج جانبية للأنشطة الإنتاجية أو الاستهلاكية تخرج دون قصد، مثل نتائج الاحتباس الحراري، حيث يهدد احتراق الوقود الأحفوري بتغيير مناخ الأرض، وتلوث الهواء والماء الناجم عن المنتجات الكيماوية، وإنتاج الطاقة، واستخدام السيارات، والأمطار الحامضية الناجمة عن انبعاث أكسيد الكبريت من محطات توليد الطاقة وانتقاله لمسافات طويلة، والاشعاعات الصادرة عن تجربة الأسلحة النووية في الجو أو من حوادث عرضية مثل حادث مفاعل تشرينوبل الأوكراني، واستنزاف طبقة الأوزون نتيجة تراكم الكلوروفلوركربون وغيرها من الملوثات. لاحظ أن من تسببوا في جميع المؤثرات الخارجية المذكورة لم يقصدوا إيذاء أحد، فالمؤثرات الخارجية هي النتائج الجانبية المؤذية، وغير المقصودة للأنشطة الاقتصادية(24).