أنت هنا

قراءة كتاب بطعم الجمر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
بطعم الجمر

بطعم الجمر

كتاب " بطعم الجمر " ، تأليف أسعد الأسعد ، والذي صدر عن دار الجندي للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقدمة ا

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
دار النشر: دار الجندي
الصفحة رقم: 5

- 2 -

بدا المشهد مختلفاً، فالأرض المستصلحة على جانبي الطريق، تبعث على الإحساس بالدفء، وكأن المصريين أعادوا اكتشاف سيناء، لعلهم أدركوا أن لديهم أرضاً صحراء، يمكن أن يعاد تشكيلها، ورسم معالم جديدة لها، وها هم يعودون إليها، نعم يعودون إليها، فالأرض لا تعود، وإنما البشر هم الذين يعودون.. الأرض باقية لا ترحل.. الناس هم الذين يرحلون.. ازدحم الشاطئ بالشاليهات، تحيط بها غابات النخيل، وتخرج من الحدائق باتجاه البحر، تنغرس هناك، فتلامس نهايات الموج، وزبد البحر المتعب، المتهالك للوصول إلى أقدام النخيل المنتصبة على طول الشاطئ.. مدينة العريش، قرية كبيرة.. يزدحم شاطئها والشارع المحاذي له بالمصطافين، القادمين من مدن الصعيد، والأرياف البعيدة عن البحر، الذين اكتشفوا المدينة، وسحر شواطئها، ما دفع الكثيرين إلى الاستثمار في مجال السياحة والاصطياف..

كانت الحافلة تشق طريقها دونما عائق.. الشمس تتوسط السماء، فتسقط أشعتها عمودياً، لتدفع المارة إلى البحث عن ظل يقيهم حرارتها، لكن معظمهم آثر البقاء حيث يقيم .

امتدت رفح وتمددت لتجتاز الحدود بين فلسطين ومصر فتشكلت مدينتان متلاصقتان، رفح فلسطينية، ورفح مصرية، وإن كان معظم سكان المدينتين من الفلسطينيين، كان ذلك بعد انسحاب الإسرائيليين من سيناء، وترسيم الحدود بينهما، هنا، ترى العجب، الأسلاك الحدودية قطعّت شمل العائلات، وقسمّت البيوت، المطبخ في مصر، والحمام في فلسطين، الأخ هنا، والأخت هناك، ولا أحد يستطيع أن يرى الآخر، أو يزوره، اقتربت الحافلة من تل السلطان، حي فلسطيني، في رفح المصرية، المشهد يحمل تداعيات لا تراها في أي بلد آخر،.. ولا حتى في الأحلام.. هنا.. عالم يختلف عن أية بقعة في العالم، قد يكون هناك أسوأ منها، لكن الإسرائيليين أبدعوا في خلق أشكال وفنون لإذلال الناس، وتدمير نسيجهم الإنساني .

أما الفلسطينيون، فقد أبدعوا في خلق طرق للاتصال، لا تخطر على بال أحد.. حفروا انفاقاً على طول الشريط الحدودي، أنفاق يتسع بعضها لتهريب سيارات صغيرة.. ثم تقلصت لتهريب البضائع والأجهزة الكهربائية وأحياناً الممنوعات، إنها الحاجة، أم الاختراع..

اقتربت الحافلة من جمهرة من النَّاس، دقق النظر في وجوههم .

- إنهم من العائدين إلى غزة، إنها الحدود إذن .

حدّث نفسه، فيما توجهت أنظار جمهور العائدين نحو الحافلة، بعضهم رفع يده محيياً، والبعض الآخر كان يتمتم كلمات لم يسمعها، لكن معظمهم كان يبتسم ابتسامة لم يدرك معانيها.. أهي ابتسامة الفرح بوصول فوج جديد من العائدين ؟! أم هي ابتسامة تحمل معانٍ أخرى، قد يدركها لاحقاً؟!

توقفت الحافلة ليس بعيداً من المكان ذاته، لكنه بعيد عن المعبر.. أطل برأسه يستطلع أمر الهرج الذي ساد ركاب الحافلة، فيما ترجّل بعض الركاب محاولاً النزول، لكن السائق حال بينهم وبين ذلك، حيث أبقى الباب مقفلاً، وقد علا صوت مساعده، يطلب من الجميع، البقاء في أماكنهم، وعدم مغادرة الحافلة.. كان مئات الرجال والنساء والأطفال هائمين على وجوههم.. وقد بدا التعب والإرهاق عليهم.. مشهد أعاده إلى أيام توزيع المؤن في مخيم عقبة جبر قرب أريحا.. أواخر كل شهر.. حيث كان الطحين يختلط بالمرجرين، وغبار العدس والأرز، فيما تتعالى أصوات العجائز، تنادي على مشترٍ لعلب اللحمة والسردين، وحمّال يبحث عن رزقه، ويفاوض عجوزاً لحمل ما تيسر لها من صدقات هيئة الإغاثة الدولية، وآخر يحاور كهلاً على بطاقة الإعاشة التي لم يستطع صرفها من أمين المستودع، ذات المشهد.. يتكرر هنا بأشكال مختلفة، الكل يزحف نحو المعبر.. علّه يستطيع الدخول عبر البوابة المغلقة، أمهات يحملن أطفالهن، هذه تحاول طرد الذباب عن وجه طفلها، وتلك تحاول إلهاءه بشيء يشبه لعبة الأطفال، وأخرى ضاقت ذرعاً بصغيرها الذي تهدهده، عله يكف عن البكاء، تتمتم بكلمات وجمل غير مترابطة، كأنها تريد أن تشكو طفلها، لأنها تعتقد بأن بكاءه غير مبرر، حدّق زيد بعيني الطفل وقد علا صراخه، حدّق في عينيه مرة أخرى، ابتسم حين لاحظ أن الطفل يبكي ويصرخ، من غير دموع، اعتقد للوهلة الأولى أن أمه تفهمه، وتدرك أن لا مبرر لبكائه.. لكن الطفل عاد يصرخ بأعلى صوته.. وقد ابتعد بنظره عن زيد وعن أمه.. وراح يقلب نظره، تارة في الناس من حوله، وتارة أخرى في الجنود المدججين بالسلاح أمامه يشهرونه في وجوه المتدافعين أمام البوابة.. ويتضاحكون بشكل هستيري مريض، كأنما يتلذذون بعذابات الناس، وذلهّم.. حدّق في جنود الاحتلال.. لم يتغيروا منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً.. يوم رآهم أول مرة في ساحة أريحا.. وربما كانوا هم أنفسهم الذين رآهم هناك.. مثل رعاة البقر.. أو هكذا يتعاملون معنا.. قال محدّثاً نفسه.. قبل أن يستقر نظره على الطفل ذاته.. لكنه وقد تعب من البكاء.. أو ربما التظاهر بالبكاء.. ألقى برأسه على صدر أمّه.. كأنما أراد أن يبتعد عن مشهد لم يعد يطيقه، فيما أمّه لا تزال تهدهده، وقد بدا عليها الارتياح، لكن عينيها مجهدتان، غائرتان تستجديان إغفاءة، ولو للحظات، دارت حول نفسها تبحث عن مكان يحقق غايتها، نقّلت قدميها متجهة نحو عمود كهرباء، لم تجد أفضل منه، حثت الخطى نحوه، كأنها خشيت أن يسبقها أحد إليه، قرفصت، متهالكة أسندت ظهرها إلى عمود الكهرباء، أخذت طفلها بين ذراعيها، فيما تململ الطفل، وهو يشدّ أمه، ويلقي برأسه في حضنها، وراح الاثنان في نوم عميق..

استدار زيد، ومضى في سبيله، يبحث عن مكان يستظل به، وقد أحس بضيق شديد، ورغبة في استراحة، أو ربما إغفاءةٍ قصيرة، تعيد إليه ما استنفذه مشهد الطفل وأمّه، وتزاحم العائدين عند بوابة العبور دونما طائل..

كانت الشمس تبتعد عن كبد السماء، فيمتد ظل جدران البيوت المحيطة بالمكان، ما يسمح بسعي الباحثين عن مكان يستظلون به، باستراحة قصيرة هرباً من الشمس وحرارتها، والرطوبة الخانقة،تقدم نحو المسجد الصغير الذي يتوسط الساحة، وقد لفت نظره تهافت الناس على جدران المسجد التي أمتد ظلّها، حيث اختفت الشمس خلف شجرة الجميز الكبيرة المنتصبة وسط ساحة المسجد، حتى بدت أكثر ظلاً من شجرة الكينا وبعض شجيرات الزيتون المصفرّة أوراقها من العطش، رغم تعمد المصليّن الوضوء عندها، ما سمح لها بالانتعاش، ومواصلة الحياة والعيش بما تيسر من اخضرار ونماء، بفضل ما يتسرب إليها من ماء المتوضين حولها .

دخل زيد إلى ساحة المسجد يجرّ قدميه، وقد أحسّ بتعب شديد، وحاجة ماسة إلى قسط من الراحة بعد ساعات طويلة، دار فيها على رجليه.

الصفحات