كتاب " سرديات مقدسية - الشيخ ريحان " ، تأليف أحمد غنيم ، والذي صدر عن دار الجندي للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقدم
أنت هنا
قراءة كتاب سرديات مقدسية - الشيخ ريحان
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 8
أبوابٌ موصدة
طبول كشافة دير اللاتين وصنجات الرواد راقصت أسماع المشاهدين الذين اصطفوا على جانبي الطريق من بواكير الصباح، انتشر باعة الشعبيات والزلابية والهريسة وشعر البنات وبيض الخميس الملون في ساحة الأسود الواسعة أمام بوابة الحرم الشريف، وانبعثت رائحة شواء اللحم من الكوانين والبسطات قريبا من حمام ستنا مريم، وجال باعة شراب الورد والعرق سوس والخروب بأجراسهم اليدوية وأباريقهم وأكوازهم الكبيرة المحمولة على الظهور، بخراخيشها التي تداعب أسماع المارة.
من قدرون الواد الذي تمتزج به رائحة الحياة والموت، ونضرة الورد المتفتح مع صفرة الأشواك، هنا حيث ما زالت خطى الأنبياء طرية فوق مِيداء الطريق ومِيتاؤه[44]، وأجواء المكان تعبق بأنفاس ملائكة طاهرة وروائح مسك لا يذوي مهما زاحمه في الحيز نتن من ريح يهوذا أو مرجوس الشياطين، هنا حيث يتعايش الماضي والحاضر في تداخل فريد على طرفي الزمن والمكان، تُطلُ الكنائس العريقة والأديرة القديمة من خياشيم التلال، وتنتشر المدارس ومساطب العلم تحت ظلال المساجد وفي جلابيب أروقتها، وتمتدُّ بيوت الناس على سطحات التلال المحيطة بالمدينة، ويحفر الوادي قبور لغزاة كثيرين.
يتكئ أصحاب البسطات على حواف التاريخ، يفرشون قدور الزاد وولائم الرحمة، ويفردون قلوبهم بساطا لضيوف المدينة، من أعلى التلة عند أقدام الباب الذهبي حيث يرقد على طيب من الثرى عبادة بن الصامت ويستفيء ظلّ الفتح شداد بن أوس، إلى تلة يسوع وعتبات قبور الأخشيد في طريق المجاهدين، ومن صلاحية الناصر لدين الله ودير العذراء عبر طريق الآلام إلى مرمى عباءة بن الخطاب قرب كنيسة القيامة، يمرعُ الناس وتتابع أنفاسهم وتتعالى أصوات باعة البليلا والكعك بالعجوة والسمسمية، ويفوح الزمن برائحة القداسة والبخور، ويهبش الحاضر من وعاء ماضيه فتبدو المدينة أوسع من حدِّ أسوارها وأكثر اكتظاظا من نشور لحظتها، وأعمق وعياً وتنوعاً ممن تصارعوا عليها، تمتدُّ إلى رئات الحضارات وإلى صدور الناس، إلى الفلاحات القادمات من سريس وبيت محسير وقطنة وأبو غوش وعين كارم ودير ياسين واللطرون وأم طوبا وكفر عقب وشرفات والسواحرة، يَحْضرن مع عبق الليمون وطيبات الحقول وأنفاس التاريخ تمور وتشدُّ ساعداً إلى ساعد، في سلسلة متتابعة تُسوّر المدينة وتحفظ جلال حضارتها الكونية ورسالتها الإنسانية من مقت أسطورة الوهم وعنصريتها الخبيثة.
يستمر توافد الناس من أنحاء المدينة والقرى المجاورة، يصعدون تلَّة اليوسفية وباب الرحمة، يتدفقون في شرايين الشوارع من جبل التين إلى مرقد القبر المقدس. أمهات بغطاء رؤوسهن البيضاء وبراقعهن السوداء يحملن أطفالهن على صدورهن أو أكتافهن، وصبيان بأقدامهم الحافية وسراويلهم البالية، شباب وكهول بقنابيزهم وكوفياتهم البيضاء وعباءاتهم المطرزة، شخصيات رسمية بثيابٍ مميزة بأناقتها وياقاتها البيضاء، رجال بطرابيشهم الحمراء، وقسيسين ورهبان، جاؤوا للاحتفال بأحد الشعانين.
يُطلُّ موكب الفرسان من أعلى الجبل، يتقدمهم فارس بملامح جندي من القرون الوسطى، يمتطي فرساً كهرمانياً[45]، يتبعه في صفين متوازيين أحد عشر فارساً على جياد شقراء، يتوسطهم فارس على حصان أبيض، يحمل راية المدينة، بينما يرفع باقي الفرسان رايات وشارات الطوائف والكنائس والمدارس، يليهم قارعوا الطبول الكبيرة المربوطة إلى الأكتاف والأجساد التي تميل إلى الخلف من وزر الأحمال، ومن ورائهم تتوافد زرافات الفرق الكشفية للمدارس والأديرة، صورة من ذاكرة المدينة وثقافتها المتنوعة المتداخلة لا تطرد قيمة فيها قيمة أُخرى.
كان يعلم أنها ستمرُّ من هناك، بقي أبو جريس وقد دَلَّهَهُ العشق واقفا طيلة ساعات منذ الصباح الباكر، مرت مواكب كنائس وأديرة القدس وبيت لحم تباعا، وفود من أصحاب النيافة مطارنة وبطاركة وارشميندرات ورهبان وراهبات، بقَلاسِيهم وياقاتهم البيضاء وأثوابهم السوداء الممتدة إلى أقدامهم، نزلوا من جبل الزيتون، مَرّوا بوادي الموت والحياة، ثم صعدوا إلى طريق الآلام عبر باب الأسباط، يتقدمهم قادة مشاة الكشافة بزيهم الكاكي وأربطة العنق الموشحة بخيوط ملونة، والمرابط البيضاء العريضة حول أعلى القدمين فوق الأحذية الجلدية السوداء، وبعصيهم الطويلة المزينة بالنقوش والخزف، يدورونها بأيديهم بمهارة، ثم يلقون بها إلى الأعلى على نغمات القِرب وموسيقى المارشات والفرق النحاسية، تشخص عيون الجموع إلى العصا التي يطوِّحها الهواء حتى تتلقفها أيدي القادة بمهارة عالية، يلوحون بها على جَوشهم ذات اليمين وذات اليسار، بينما وجوههم مثبتة النظر إلى منصة كبار الضيوف على تلٍّ ترابي قرب باب حطة، وفجأة تهتف حناجر الجموع، تُحيي النازل بجلال من بيت التين نحو الأسوار، متمثلا وقار وتواضع من آبى أن يعبر المدينة ممتطيا ظهر حرب أو حصان، وجاء على آتانه الصغير تعبيرا عن رسالة المحبة والسلام، قُرعت أجراس الكنائس وصَدَعَتْ الحناجر بالصلوات، ثم عَلَتْ أصوات الجموع ترحب بمواكب الوافدين إلى المدينة.
ظلّ أبو جريس ثابتاً في مكانه أمام باب الصلاحية، قرب حمام ستنا مريم، يتدافع بجسده حيناً وبيديه حينا مع بعض الصبية والشباب ليمنع أجسادهم من أن تحجب الرؤية ومسيرة عيد الفصح عن عينيه، وكلما دُفع إلى الخلف قليلا، تأفف ورفع جسده منتصبا على رؤوس أصابعه بأقصى ما يستطيع، كان يخشى أن تمرَّ ماري بَغْتَةً ولا تلمحها عيناه.


