أنت هنا

قراءة كتاب يهود الدونمة

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
يهود الدونمة

يهود الدونمة

كّتَّاب كثيرون ينتمون إلى جنسيات ومذاهب متعددة تقصوا موضوعات تتعلق باليهود وبالقضية الفلسطينية، وإذا ما توقفنا عند الكتابات الغربية المتعلقة بتلك الموضوعات فسنرى أن هناك محاولات من لدن أولئك الكتاب من خلال تنسيق التعاون مع كتاب يهود وباحثي آثار مرتشين يتعلق

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
الصفحة رقم: 2

الوضع العام لليهود في العالم والدولة العثمانية

ان اليهود في شتى انحاء العالم لم يندمجوا في المجتمعات الاصلية، بل حاولوا خلال التاريخ البشري الطويل، التكتل فيما بينهم، وقد ادى هذا التكتل الى انحصارهم في مناطق معينة من العالم، وقد انطلقوا من نظريات معينة، حيث عدوا انفسهم "شعب الله المختار". وكان هذا يعني بالنتيجة عدم اختلاطهم وتزاوجهم مع العنصر غير اليهودي، بغية المحافظة على النقاوة العنصرية المزعومة، ولكن هذا لا يعني انهم لم يخلقوا معضلات ومشاكل في البلدان التي وجدوا فيها، حيث قامت حملات كثيرة ضدهم، نتيجة لسلوكهم السياسي ومخططاتهم العالمية.

المبحث الأول :هجرة يهود أسبانياإلى أراضي الدولة العثمانية

كتب المؤرخ البريطاني "آرثور كستلور" في كتابه الموسوم "القبيلة الثالثة عشر": "أن معظم يهود اليوم ليسوا من أصل سامي. فعرقيا، يهود اليوم ينقسمون إلى قسمين رئيسين، القسم الأول والأكبر هم الغربيون أو كما يسمون بالعبرية "أشكنازيم، والقسم الثاني والأصغر هم الشرقيون أوكما يدعون بالعبرية "سيفارديم".
فيما يخص "السفارديم، إستقر بهم الحال في الأندلس على عهد الحكم الإسلامي في العصور الوسطى، وكانت لغتهم معروفة وقتئذ بإسم "لادينو" وهي مكونة من العبرية والعربية والإسبانية ، وأن جلهم من أتباع التلمود البابلي.
في القرن السادس عشر الميلادي كانت أوربا تعيش ظاهرة عدم الاستقرار بعد أن عايشت محاكم التفتيش التي فرضتها الكنيسة عليها حتى أصبحت حريات المواطنين الأوربيين مكبوتة فيها. ومنذ الثلث الأخير من القرن الخامس عشر كان يحكم اسبانيا الملكين الكاثوليكيين فيرديناند ملك أراغون وزوجه الملكة ايزابيلا ملكة قشتاله اللذان وحّد تزوجهما لبعضهما شبه جزيرة إيبيريا، وأنهيا الحكم الإسلامي في الأندلس باحتلالهما غرناطة سنة 1492. وبزوال الحكم العربي الإسلامي فقد اليهود بقية ما كانوا يحضون به من حماية. أما الملكان فكانا شديدي التعصب لعقيدتهما، كما كان لديهما نظرة غير ودية نحو اليهود لاعتقادهما بأن اليهود قد غدروا بسيدنا عيسى ابن مريم. وفضلاً عما يضمرانه من كره لجميع غير المسيحيين فقد وجدا أن اليهود يحاولون– كعادتهم في كل بلد يستوطنونه- التسرب إلى صميم هياكل اقتصاد الشعب الذي يعايشونه للسيطرة على جميع منابع موارده الاقتصادية وطرق استثمارها ليتمكنوا من تخريب المشاريع التي لا يعود شيء منها بالفائدة على اليهود، وطبقوا ذلك الأسلوب المعتاد عندهم على الشعب الاسباني أيضا. لذلك زادت محاولاتهم تلك من غيظ الملك والملكة. أما ما زاد في حرج موقف اليهود في اسبانيا والبرتغال فكان إعلان كبير ربيي يهودهما تفسيره الشخصي للفلسفة اليونانية وادعاؤه الباطل بأن تلك الفلسفة ما هي إلا قطعة مختارة متكاملة من الشريعة اليهودية. وكان وزملاؤه من الحاخامات يرومون من وراء ذلك نشر أحكام التوراة بمهارة تحت هذا الشعار في شبه جزيرة إيبيريا لينتشر منها في بقية أوربا. وفي الشأن نفسه قال حاخام يهود اسبانيا وفيلسوفهم الأكبر: "إن النظريات اليونانية هي نفس ما جاء في صلب الدين اليهودي تماماً.أما حقيقة الفلسفة التي سادت مدنية الغرب وملوكه وشعوبه فهي التي غذَّت الحركات المعادية للدين والقومية والتاريخ الحق لأنها ليست من شريعة التوراة.
ولما أدرك الملكان فيرديناند وإيزابيلا الحقائق التي يستهدفها اليهود من وراء تصريح كبير ربييهم المؤيد من قبل حاخاماتهم، ألحَّا بشدة على تنصٌّر اليهود بغية وضع نهاية لحركاتهم الهدامة ضد المسيحية تحت قناع العلم والفلسفة. وحيال إلحاح الملكين تنصر بعض اليهود ظاهرياً، فلما تكشَّف للملكين خداعهم طردا في الثاني من آب من سنة 1492 أكثر من ثلاثمائة ألف يهودي من اسبانيا. كما طردا عددا كبيرا من يهود البرتغال.
في تلك السنة بالذات كان يتربع على عرش السلطنة العثمانية السلطان مراد الثاني، أشد سلاطين آل عثمان جهلا بسياسات الشعوب، فلما تقدمت إليه مجموعة من ربيي يهود أوربا بطلب يلتمسون فيه أن يسمح للمشردين من اليهود بالهجرة إلى الأراضي العثمانية لبى-في غفلة سياسية عظمى- طلبهم دون أن يشترط عليهم أي شرط أو يقيدهم بأي قيد، إذ لم يخطر بباله أن شعبه العثماني المسلم سيدفع بعد أربعمائة سنة من سماحه هو لليهود بأن يلجأوا إلى الأراضي العثمانية فادح الأثمان، تدفعها أجيال عثمانية مسلمة قدر لها أن تعيش في القرنين التاسع عشر والعشرين وما بعدهما، معتقدا- فيما يقول المعتذرون عن القرار الساذج الذي اتخذه السلطان مراد الثاني دون روية الدبلوماسي وحذر السياسي- بأن موافقته تلك إنما استمدها من التقاليد الإسلامية التي تحث على العطف على المشردين المساكين بقطع النظر عن لونهم وعرقهم ودينهم.
اغتنم اليهود سنوح تلك الفرصة الذهبية النادرة بالنسبة لليهود المطاردين في كل بقاع العالم بسبب سوء معاشرتهم للشعوب التي تسمح لهم بدخول أراضيها والإقامة بين ظهراني بنيها. فهاجرت أعداد كثيرة من اليهود إلى أراضي الدولة العثمانية، وأراضي الشعوب التي تخضع لدولة العثمانيين، بلغت كثرتها حدا جعل بعض المصادر التاريخية تبالغ في الثناء على مراد الثاني لعطفه عليهم، ملقبة إياه بالرجل الإنساني الكبير.
وما أن وصل اليهود إلى أراضي الدولة العثمانية حتى امبثوا في جميع مرافقها التجارية والصناعية كحشرة السوس التي تنخر كل شيء. ولما كوّنوا شيئا من الثروات شرعوا في تملك ما استطاعوا شراءه من العقارات صغيرها وكبيرها في كل بقعة في الدولة العثمانية وما يخضع لها من أقاليم وبخاصة في سلانيك وأدرنه وإزمير,بل وفي القسطنطينية نفسها التي كان يطلق عليها أحيانا دار الخلافة أو دار السعادة. وفي القرن التاسع عشر يرد ذكر تسميتها "بالاستانة" في كثير من الفرمانات السلطانية. وحيث أن القسطنطينية هي مقر الحكام العثمانيين الدينيين والزمنيين، وتصعب فيها سكنى الأجانب من غير الممثلين الرسميين لدولهم لدي السلطات العثمانية، أو كبار التجار ورجال المال والأعمال. وبما أن اليهود لا يتقاعسون في سبيل-أن يكون لهم نفوذ-عن استعمال كل وسيلة مهما بدت حقيرة، فقد تسللوا بالتدريج في حذر ماكر إلى عاصمة الدولة واستوطنوها ليكونوا قريبا من بؤرة السلطة. وبالفعل بدأ تنامي نفوذهم في العاصمة على أيام السلطان محمد الفاتح مع أنهم كانوا عينا عليه للدول الأوربية.
 

الصفحات