أنت هنا

قراءة كتاب يهود الدونمة

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
يهود الدونمة

يهود الدونمة

كّتَّاب كثيرون ينتمون إلى جنسيات ومذاهب متعددة تقصوا موضوعات تتعلق باليهود وبالقضية الفلسطينية، وإذا ما توقفنا عند الكتابات الغربية المتعلقة بتلك الموضوعات فسنرى أن هناك محاولات من لدن أولئك الكتاب من خلال تنسيق التعاون مع كتاب يهود وباحثي آثار مرتشين يتعلق

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
الصفحة رقم: 3

ومن المعروف تاريخيا أن السلطان محمد الفاتح كان قد غزا مملكة نابولي عام 1480 وفتح مدينة أوترانتو، غارزاً العلم الإسلامي العثماني في قمة أعلى مباني تلك المدينة الواقعة في قَدم شبه الجزيرة الإيطالية، تمهيدا لمحاولته إتمام فتوحات أتيلا. وعندما تبين ساسة دول أوربا اعتزام الفاتح اتخاذ ميناء أوترانتو قاعدة يزحف منها شمالاً حتى يصل إلى روما عاصمة الكثلكة غشى شعوب تلك الدول فزع شديد. وليقين ساسة تلك الدول وقادة جيوشها من أنهم لا طاقة لهم بمقاتلة جيش محمد الفاتح لجأوا-تحت ضغط فزعهم وفزع شعوبهم- إلى مكر الجبناء. وعمل أولئك الساسة بنصيحة يهود الدونمة اللاجئين إلى الدولة العثمانية واتصلوا بالطبيب اليهودي الدونمي موباسترو جاكوب ليتآمروا معه على حياة السلطان محمد الفاتح الذي وافق على اغتيال سيده السلطان، بالسم مقابل مائة ألف دوقيً ذهبا. وهكذا استشهد ذلك السلطان المجاهد على يدي من إئتمنه نفس السلطان على صحته.حدثت هذه الخيانة الدنيئة من اليهود مع أن سلاطين آل عثمان كانوا يحسنون الظن باليهود، ويهود الدونمة منهم بخاصة، فقربوهم وأدخلوهم قصورهم وأسندوا إليهم بعض الوظائف المهمة. ولم ينبِّه مصرع السلطان محمد الفاتح الثاني بقية آل عثمان إلى مكر اليهود وخستهم، إذ نجد السلطان سليم الأول يختار في عام 1515 اليهودي موسى هامون Muses Hamon طبيباً خاصاً به، وأولاه مكانة عالية بين حاشيته.
واستولى السلطان سليم الأول على معظم بلاد الشام ثم قضى على دولة المماليك في مصر، ونقل منها الخلافة إلى استنبول ليصبح هو أول خليفة عثماني للمسلمين.وتوفي السلطان سليم الأول فخلفه السلطان سليمان القانوني وأبقى موسى هامون طبيبا له. وفي عام 1552 استغل هامون مكانته عند السلطان في الحصول منه على رسالة معنونة إلى دوق مدينة البندقية ، طالبا منه السماح لقريبتين لهامون هما الأرملة اقريشيا نازي GreciaNasi وابنتها ريئينا Reyna بالسفر إلى الأستانة. وتكللتجهود هامون بالنجاح إذ وصلتا إلى الدولة العثمانية في عام 1553 ولحق بهما قريب آخر لهامون يدعى يوسف نازي سرعان ما ألحقه هامون بخدمة السلطان سليم. وينتمي يوسف نازي إلى اسرة نازي التي ينتمي إليها موسى هامون ذي الحظوة لدى السلطان .
واهتبل يوسف نازي الفرصة وتمكن في مدة قصيرة من أن يحوز ثقة السلطان سليم لعمق خبرته في السياسة الدولية وفي الشؤون المالية. فكافأه السلطان في عام 1566على"المفيد جدا"من خدماته بمنحه لقب دوق ناكسوس، ومكَّنه ذلك اللقب الرفيع من أن يكتسب سلطة أوسع في البلاط السلطاني وسما به إلى درجة حتمت-أدبيا-على ممثلي الحكام المسيحيين لدى السلطان أن يتجهوا إلى مقابلة نازي ابتداء، حفاظا منهم على بقائهم في مناصبهم وعلى نجاحهم في إدارة بعثاتهم الدبلوماسية قبل أن يسعوا إلى مقابلة أي مسئول آخر في الدولة العثمانية
يوسف نازي هذا يهودي سفاردائي*برتغالي الأصل مصرفي ومموِِِّل ثري كان مُُعتََمَدا ماليا لكلي البلاطين الاسباني والفرنسي، ينحدر من أسرة يهودية من مواطني مدينة آنفيرس. إلا أنه هجرها ليستوطن البندقية ويتخذ منها مركزا لنشاطه التمويلي، ولاتصالاته بالجاليات اليهودية التي يقدم لها العون المالي والأدبي. وعندما أصبح قريبا ممن يملكون سلطة إصدار القرار في البندقية، كلفه المجلس الأعلى لليهود بالإشراف على الجاليات اليهودية في وسط إيطاليا. ولم تقتصر جهود نازي على مساعدة تلك الجاليات والإشراف على شؤونها بل انصبت تلك الجهودعلى إقامة دولة يهودية في إحدى جزر البحر المتوسط، الأمر الذي أدى بحكومة البندقية إلى وضع نازي تحت المراقبة، حفاظا منها على حسن علاقاتها بالبلاد الإسلامية التي يمر الجزء الأخير من طريق الحرير التي تقطعها قوافل منتجات الشرق الأقصى ذهابا وإيابا من الصين حتى سواحل البحر المتوسط حاملة منتجات الصين والشرق الأقصى إلى أوربا، ومنتجات أوربا إلى بلدان شرق آسيا وجميع المدن القائمة على طريق الحرير.
تضايق نازي من تلك المراقبة ففر من البندقية ليستجير منها بحماية آنفيرس، وتمكن خلال إقامته في قلب أنفرس من التقرب من الملكة ماري الهنغارية، وتوثقت بينهما الصلات بفضل أمواله الطائلة حتى اتخذته تلك الملكة أمينا لأسرارها المالية والسياسية، وفوضته في عقد اتفاقات تجارية باسمها مع الملكين شرلكان وهينري الثاني مما جعل شهرة كفاءته في إدارة الشؤون المالية تطبق الآفاق، فاستنجد به الملوك من أمثال سيجيسون البولوني وهينري الثاني الفرنسي واقترضوا منه الأموال الطائلة مقابل فوائد عالية، فتعاظم شأنه بين رؤساء الدول.
وقبل أن يدخل في خدمة الدولة العثمانية كان يعرف باسم "دون خوان ميغويز"، أما بعد وصوله إلى القسطنطينية في عام 1544 واطمئنانه على حياته وأمواله فقدرجعإلى التسمي باسم يوسف نازي المعروف به منذ ولادته.
أصبح يوسف نازي على عهد السلطان سليمان القانوني مصرفي استنبول ومسئول الضرائب الزراعية في الإدارة العثمانية، وله أثر يذكر في تطوير تلك الإدارة. ونظرا لصلاته الشخصية بالسلطان سليم الأول، وهي صلات أكسبها قوة زواج ولي العهد الأمير سليم بـ"نور بانو Nur Banu"شقيقة يوسف نازي. فعن طريق تلك الشقيقة استطاع نازي التأثير فى الأمور الاقتصادية والمالية للدولة العثمانية. وبعد تولي سليم الأول السلطنة وكان يوسف نازي مقربا منه أقطعه جزيرة ناكسوس بعد أن فتحها الجيش العثماني. ثم منحه رتبة دوق لناكسوس وسائكليديس بدرجة سنجق بك. ويعد مؤرخو تلك الحقبة كلا من يوسف نازي وموسى هامون بمثابة حلقة الوصل بين الدولة العثمانية واليهود، ويعود الفضل فيما حصل عليه يهود ولاية السلانيك من امتيازات إلى اليهوديين المذكورين : يوسف نازي وموسى هامون.ولما عيَّن السلطان سليمان القانوني يوسف نازي واليا على جزيرة قبرص التي كان الجيش العثماني المسلم قد أعاد فتحها في عام 1535م شعر نازي بسعادة كبرى بتولي الولاية على تلك الجزيرة لقربها الشديد من فلسطين التي يشترك جميع اليهود معه في تمني العودة إليها والتي يعملون خفية لكي يعودوا إليها كل ما أتيحت لهم فرصة العودة. ومن بين أعمال نازي في ذلك السبيل ترميمه ما بقي من خرائب مباني طبرية الفلسطينية. ولمكانة نازي عند ذلك السلطان استطاع الحصول منه على فرمان بإسكان خمسة آلاف يهودي بالقرب من بحيرة طبرية. كما نتج عن إلتماساته المٌٌلحة من السلطان وصول ما بين 10–20 ألف يهودي إلى منطقة طبرية، يعود الكثير منهم إلى مواطنهم التي جاءوا منها لصعوبة كسب أرزاقهم في فلسطين الجرداء. ومن جانب آخر، نشر يوسف نازي الثقافة اليهودية في تركيا. وأوجد فيها عام 1565 مكتبات يهودية عديدة.
ومما مكن اليهود من التسرب إلى المراكز العثمانية القادرة على إتخاذ القرار توسلهم بجميلات الجواري أيضا، فقد زاد نفوذهم عندما تزوج السلطان سليمان القانوني في القرن الخامس عشر الفتاة اليهودية الروسية روكسيلانا Roxelana" أسماها "خوريم “Kourrem وهي من اللاتي استفاد اليهود فوائد كبرى من نفوذها الكبير في القصر السلطاني، نفس النفوذ الذي مكنها أيضا من تزويج ابنتها"مهرماه"المسمى باسمها قصر في استنبول ما يزال يحمل اسمها حتى اليوم من الكرواتي رستم باشا، ومن استطاعتها أيضا أن تغتال الصدر الأعظم (رئيس مجلس الوزراء) وأن تنصب زوج ابنتها رستم باشا مكانه، وأن تدبر خنق ولي العهد مصطفى بن سليمان القانوني من امرأته الأولى، لتنصب مكانه ابنها سليماً ولياً للعهد. وعلى منوال روكسيلانا سارت الجارية الخزرية اليهودية المعروفة تاريخيا باسم "صفية السلطان" التي كان قد أسرها قائد بحري تركي في أواسط القرن السادس عشر وباعها للبنادقة الذين ما أن اكتشفوا فرط ذكائها النادر حتى اعتزموا استغلال قدراتها العقلية الفائقة على خدمتهم في القصر السلطاني، فاستمالوها إلى جانبهم بحسن معاملتهم لها، وبتحويل أموال إلى والديها. وتولوا إعدادهاعلميا لما يريدونه منها، فعلموها تاريخ الدول ودربوها تدريبا حكيما على متابعة حل الغامض من تعقيدات السياسة الدولية، كما أكسبوها خبرة عملية في التعرف على الغايات الخفية من تحركات الجيوش والأساطيل البحرية وفق ما تستشفه من خفي الغايات في أثناء تحليلها للسياسات الدولية، ثم أغروا وكيل السلطان في سوق الرقيق بشرائها منهم، وبذلك تمكن البنادقة الدهاة من الاحتيال على إدخالها إلى "الحرملك" أي جانب قصر السلطان المخصص لسكنى نسائه. وما أن علم السلطان من قهرماناته بعمق ثقافة"صفية السلطان" الجارية الجديدة حتى اسطفاها لنفسه واتخذها مستشارا سياسيا، وكانت عند حسن ظن من أهَّلها علميا، ودربها سياسيا ولمن أكسبها في قصره المكانة السامية، واسند إليها دورا كبيرا في القيام بأعباء تزويد السلطان بالمشورة في كل ما يتعلق بالسياستين العثمانيتين الداخلية والخارجية، واستمرت في أداء ذلك الدور طيلة نصف قرن، وبلغ من نفوذها في القصر أن أصبحت مسئولة عن جمرك الأستانة بإرادة سلطانية أصدرها سليمان القانوني في عام 1549. واستمرت في شغل هذه الوظيفة طيلة بقية عهد السلطانسليمان القانوني وعهود خلفائه السلاطين سليم الأصغر ومراد الثالث ومدة قصيرة في أول عهد السلطان محمد الثالث.

الصفحات