كتاب " الإسلاميون وسراب الديمقراطية " ، تأليف د. عبد الله إبراهيم الدلال ، والذي صدر عن مكتبة مدبولي عام 2007 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب الإسلاميون وسراب الديمقراطية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الإسلاميون وسراب الديمقراطية
لا بد من إيضاح أن الديمقراطية هي ليست مجرد قبة برلمان أو عدد من الكراسي يقبع فوقها مثيلها من النواب.
إن الديمقراطية منهج وضعي بشري علماني قائم على مبدأ فصل الدين عن الدولة، وإطلاق الحريات بغير قيد، وعلاقات اقتصادية وسياسية واجتماعية، وتوجهات فكرية وثقافية، وممارسات في العلاقات الإنسانية وسوى ذلك، نابعة كلها من حثالات العقول البشرية دون الرجوع إلى أي دين سماوي، إنها نظرة للكون والحياة والإنسان منفصلة انفصالاً كلياً عن الإسلام وغيره من الأديان.
وعندما انهزم المسلمون في هذا القرن انعكست هذه الهزيمة على توجهاتهم وطريقة تفكيرهم، وأصبح كثير منهم يتقمصون منهج المنتصرين -وهم الغرب- ظناً منهم أنهم بذلك سيستعيدون ما فقدوه من انهيار الخلافة وانسحاب حياة المسلمين من شرع الله، ومع غياب التصور السليم لمعالجة هذه الأوضاع المستجدة بعد سقوط الخلافة الإسلامية انعقد أمل كثير من الإسلاميين على امتطاء المنبر الديمقراطي ودخول الانتخابات والمجالس النيابية ظانين أنهم من خلال ذلك سيستطيعون تحكيم شرع الله تعالى، وهم بهذا الفعل كالمستجير من الرمضاء بالنار، ومما يؤسف له حقاً أن هذا التوجه قد تحول إلى منهج عمل سياسي لدى أولئك المسلمين.
ورغم أن جماعات إسلامية متعددة اعتمدت منهج التربية الطويل لمغالبة عوامل العصر إلا أنها وظفت كثيراً من تلك الطاقات التي سلكت بها منهج التربية في خدمة خططها الانتخابية وبرامجها النيابية، وانبرى دعاتها وكتابها يدافعون عن هذا السلوك ويبررونه بشتى التبريرات.
ولما مضى زمن طويل ولم تتحصل للعمل الإسلامي أي منفعة من ولوج المجالس النيابية، ورأى بعض الشباب المسلم أنه لا طريقة سلمية تجدي مع أنظمة معادية للإسلام، ومدججة بالسلاح ومتدرعة بالقوة والغطرسة قرروا سلوك الطريق الآخر، وهو القوة إزاء القوة والسلاح ضد السلاح، وظن بعض هؤلاء الشباب أن القضية تكمن في الحاكم دون النظام، وفي الرئيس دون المرءوس، وأنهم إذا خرجوا على ذلك الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله فهددوه وقتلوه فإن زمام الأمر سينتهي إلى أيديهم، وقالوا: لا فائدة ترجى من طول التربية وامتداد الإعداد، بل لا بد للخروج فوراً على ذلك الحاكم المنتهك لشرع الله؛ لينال قصاصه العادل، وليحل محله الحاكم المسلم المنصف المطبق لشرع الله.
والحقيقة أن هذا الحل الذي رآه هؤلاء الشباب نتج من رد فعلين:
الأول: هو هزيمة المنهج الديمقراطي الذي سلكه الإسلاميون النيابيون لأجل التغيير، مما أدى إلى خيبة أمل شاملة.
الثاني: شدة بطش الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله بالدعاة والعاملين للإسلام مع انتهاكهم المستمر والمبرمج لهذا الدين في عقيدته وشريعته وشعائره بما لا يمكن السكوت عليه، ولا يفل الحديد إلا الحديد.
إن المتمعن في واقع الحال يجد أن الذين طرحوا استعمال القوة فوراً للخروج على الأنظمة الحاكمة لم يتمكنوا من تحقيق ما يريدون في المدة التي ظنوا أنهم من خلالها سيفعلون ذلك.
وبين هذين الطريقين: طريق الديمقراطية، وطريق التغيير بالقوة كان الطريق الثالث، وهو الذي ذكرته، فأصحاب الطريق الثالث يرون أن المنهج الديمقراطي مخالف للإسلام، ولا يمكن تطبيق الإسلام من خلال منهج يخالفه، وأيضاً فإنهم يرون أن كفر الحاكم لا يعني الخروج الفوري عليه باستعمال القوة والسلاح؛ بل يرون طريق الإعداد والتربية والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطار خطط مرحلية تشمل التوسع الأفقي المتنامي مع الإعداد العمودي هو الطريق الأحكم والأصح، وعندما يصبح الكم والكيف في الحدود المطلوبة والكافية للدخول في مراحل حاسمة مع النظام فعندها تبدأ تلك المرحلة التي قد تطول بدورها لفترة غير محددة، وفي كل الأحوال فإن كافة المراحل يجب أن تكون خاضعة للدراسات الشرعية المستفيضة أخذة بعين الاعتبار أن خوض الغمار بالسلاح غالباً ما يكون مجلباً للفتنة، والفتنة عمياء تطال البر والفاجر وتصيب المؤمن والكافر بغير ما تحديد ولا هدف، وما أسهل أن تسَعر نار الفتنة ثم ما أصعب السيطرة على امتدادها وإطفائها، وإن فتنة الاقتتال تحت رايات متداخلة غير متفاصلة من أعظم الفتن التي تترك آثارها عبر الأجيال، فلا تكاد تخمد حتى تتوقد، فلتتحاش الجماعات الإسلامية السقوط في هذه الحفرة ما وجدت لذلك سبيلاً، فإن لم تجد إلا ذلك السبيل فليكن مدروساً بعناية فائقة، ومستنفذاً جميع الأدلة الشرعية التي تبرره.

