أنت هنا

قراءة كتاب إشكالية الفكر الزيدي في اليمن المعاصر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
إشكالية الفكر الزيدي في اليمن المعاصر

إشكالية الفكر الزيدي في اليمن المعاصر

كتاب " إشكالية الفكر الزيدي في اليمن المعاصر " ، تأليف د. عبد العزيز قائد المسعودي ، والذي صدر عن مكتبة مدبولي عام 2008 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
دار النشر: مكتبة مدبولي
الصفحة رقم: 2

لكن المشكلة الأكثر تعقيداً بالنسبة لأصحاب القراءات السبع في فكر الزيدية والمعتزلة، لا تكمن في محتويات أبوابها وفصولها ، وإنما في طريقة قراءتها لنصوص مختارة من هذا التراث بهدف إستبطان مفرداته الفقهية والكلامية وفق مزاج سياسي وثقافي يقتصر على سرد بعض الوقائع والأحداث المنتقاة لخدمة موضوع البحث والدراسة . وكان من نتائج هذه الإنتقائية المدرجة في جدول أعمالهم ، تناول هذا الفكر في زمان ومكان محدد بعينه ، على سبيل المثال لا الحصر التركيز على تجربة المملكة المتوكلية اليمانية ، بإعتبارها أضعف حلقة في السلسلة. فالإطلاع مثلاً على الجوانب السلبية التي مرت بها المؤسسة الإمامية يغيب الرؤية الموضوعية للنهضة الزيدية في اليمن على مدى عشرة قرون من الزمان أو أكثر من ذلك بقليل. وكل محاولة ترمي إلى إصلاح الخلل الكامن في فكر الزيدية، تعد محاولة بائسة تعيق حركة المجتمع نحو اللحاق بمسيرة التاريخ المندفعه بعنف وسرعة متناهية في اتجاه قطار العولمة. وهكذا يتحول تراث معتزلة اليمن إلى مجرد فلكور شعبي ، يحتل الصدارة في قائمة المزايدة والمناقصة عليه ، كما هو الحال في مهرجان صنعاء عاصمة للثقافة العربية .

شكلت تجربة الجمهورية العربية اليمنية ، حافزاً لظهور عدداً من الدراسات الأدبية والأبحاث التاريخية المناهضة للمذهب الزيدي ومؤسسته الإمامية . فكل قراءة في تاريخ الأدب اليمني ، أو في تاريخ اليمن الثقافي لا تخل من مقاصد سياسية . ولكي نفهم مغزى القراءات السبع لتراث معتزلة اليمن ، يستوجب الأمر منا الإحاطة بمباحث كل قراءة على حدة، كون مباحثها الأدبية والفلسفية أُعدت بعناية فائقة من قبل نخبة ثقافية تمتع بدرجة عالية من الوعي السياسي . وكان الإرهاص الأول لمثل هذه الدراسات والأبحاث كتاب الشيخ الراحل محمد أبو زهرة (الإمام زيد حياته وعصره - آراؤه وفقهه) ، الصادر عن دار الندوة الجديدة ببيروت عام 1959 ، الذي يتقصى فيه الكاتب سيرة الإمام الشهيد من خلال كتب السير والتراجم المعروفة باسم طبقات الزيدية الكبرى . فكان هذا العمل الرائد مثمراً ومتوازناً في مناقشته لعقيدة من يخالفه الرأي ، قلما نجده في سائر الدراسات والأبحاث المعنية بفكر الزيدية .

ومن بين المساهمات الجادة في هذا المضمار ، كتاب الدكتور أحمد محمود صبحي المتبحر (في علم الكلام الزيدية) ، الذي يفترض جدلاً أنه بالرغم من سقوط النظام الإمامي الملكي وقيام النظام الجمهوري ، لا يزال المذهب الزيدي هو المذهب الرسمي للدولة، باعتباره ترسيمة أُخرى للمذهب الهادوي الظاهر في نجد اليمن . كذلك يبقى في هذا السفر التاريخي وغيره (معتزلة اليمن دولة الهادي وفكره) للدكتور علي محمد زيد ، الذي يتابع بدوره مجمل الصراع بين النخبة العلوية الحاكمة والزعامات الدينية والقبلية المناوئة للمؤسسة الإمامية، في إتجاهين كبيرين: الأول الإتجاه المذهبي لدولة الهادي ، الذي جعل التشيع مذهباً رسمياً للدولة . أما الإتجاه الثاني فهو إتجاه عقائدي أعتمد ترسيمة شرطية البطنين ، التي لم تعد ذات قيمة بالنسبة للمؤسسة القبلية الحاكمة في الوقت الراهن .

إن كل انتقال عنيف من عهد إلى عهد لا يشكل بالضرورة انقطاع كلي عن تراث الماضي، سيما وأن النخبة السياسية الحاكمة في اليمن المعاصر تمتلك نفس النظرة القديمة تجاه قطاعات واسعة من السكان . وأنه لما يروع القارئ أن الصيغ الهجائية التي تخللت صفحات (قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة) لدليل قاطع على أن كاتب المقال لم يكن يعنيه شيئاً من منجزات الدولة القاسمية سوى إدانة حكم آل حميد الدين ، والإشادة بحكام العهد الجديد ، الذين يعود لهم الفضل في إنجاز الوحدة اليمنية وفق الترسيمة القديمة: الحاكمية يمانية والإدارة إمامية! (6) ناهيك عن ظاهرة التنطع الثقافي والتنمر على الباحثين المتخصصين ، من قبل حاجب ثقافة السلطة الذي يتقيأ بين الفينة والأُخرى فتاوى يبيح بموجبها مصادرة أعمال غيره وسحبها من رفوف المكتبات العامة ، بحجة أنها كتب صفراء مغرقة في رجعيتها. فنشوة التفوق الزائف على الأقران ظاهرة طاؤوسية مرضية في حاجة إلى المزيد من البحث والدراسة، بالقدر نفسه الذي يحتاج إليه تراث معتزلة اليمن من عناية فائقة لإزالة العوائق أمام الإفادة منه للأجيال الصاعدة من فرسان ميدان البحث العلمي.

وإذا كان مذهب العترة الذي يعتمد مخرجات الفقه الزيدي ومدخلات المذهب الهادوي قد استبدل الآن بمدخلات الفقه الحنبلي ومخرجات مذهب أهل السنة والجماعة ، فإن هذا التحول لا يعدو كونه مجرد تمويه سياسي مرسوم وتشويه متعمد لتراث معتزلة اليمن. ومن سخريات أقدار البحث العلمي أن ينقسم الدارسين المهتمين بفكر الزيدية وتراث المعتزلة إلى شيع وأحزاب متصارعة: أحدهما تيار العدنانية ، الذي تتمسك رموزه بشعار شرطية البطنين، في حين يتمسك الطرف الآخر - تيار القحطانية بقرشية الخلافة . وبين هذا القول - نفي مقولة (تولى نبيُّ بني هاشم) ، وذاك القول - نفي النفي لمقولة (وهذا نبيُّ بني يعرب) ، تتحول الأسطورة _الصنم - إلى حقيقة وواقع تاريخي ، يألفه الناس ومن ثم يقدسونه . ناهيك عن استحضار الدوامغ الشعرية وقصائد المدح والهجاء ، التي تتعارض أبياتها المنظومة وبحورها المتلاطمة مع تعاليم الكتاب والسنة .

ثمة شعور بأن إشكالية نظام الحكم في اليمن سوف تبقى قائمة دون حل ، هذا الشعور ظل يلازمني أثناء أعدادي هذه الدراسة ، ولم أفلت منه حتى هذه اللحظة وأنا أهم بتسليم مسودة الكتاب للمطبعة . أعترف سلفاً أن هذه المحاولة ليست رائدة في هذا المضمار ، ولكنني لم آلُ جهداً لتقديم حلول جاهزة تتلخص في إمكانية بناء مجتمع جديد متحرر من قيود الرعوية الدينية، أعني بذلك تكريس مفهوم المواطنة الحرة ، جنباً إلى جنب مع مفهوم دولة المؤسسات والقانون. ولنا عبرة وموعظة في تكرار عملية خروج عدد من الأئمة والدعاة والمحتسبين في العهد الجمهوري ، كان أولها عملية خروج السيد علي بن علي المروني من هجرة المرون - عزلة بني خالد ، ضوران آنس سنة 1963م . وآخرها خروج السيد حسين بدر الدين الحوثي، من مديرية حيدان بمحافظة صعدة في خريف عام 2004م/1425هـ ، داعياً لنفسه إماماً هادياً مهدياً.(7)

الصفحات