كتاب " فرص التغيير بعد فشل الليبرالية المتطرفة وسقوط الأحادية القطبية "؛ كشفت الأزمة المالية الخطيرة التي انفجرت في صيف عام 2008 في الولايات المتحدة والعالم، زيف الأوهام التي أشاعتها آلة الدعاية الغربية طيلة عقدين من الزمن، حول القدرات غير المحدودة للأسواق
أنت هنا
قراءة كتاب فرص التغيير
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
مقدمة
كشفت الأزمة المالية الخطيرة التي انفجرت في صيف عام 2008 في الولايات المتحدة والعالم، زيف الأوهام التي أشاعتها آلة الدعاية الغربية طيلة عقدين من الزمن، حول القدرات غير المحدودة للأسواق الحرة، والأفضليات الحاسمة لليبيرالية المتطرفة. وفي ذات الوقت، وضعت تلك الأزمة نقطة النهاية، لحقبة الهيمنة الأميركية شبه المطلقة على المسرح السياسي الدولي، التي تلت تفكك حلف وراسو وانهيار الاتحاد السوفياتي. كما وجهت ضربة قاضية لمجمل الاستراتيجية التي اعتمدتها ادارة جورج دبليو بوش والحزب الجمهوري منذ مطلع القرن الحالي. وهي ستترك دون شك، الكثير من الانعكاسات السلبية على مجمل النفوذ الغربي والأطلسي في العالم، خلال المرحلة القادمة. بل أكثر من ذلك، لقد أثارت شكوكاً جدية حول قدرة البنية الدولية الراهنة، على الاستمرار دون تعديل جذري. وقد دفعت كثيرين، انطلاقاً من عمقها وطابعها البنيوي، إلى طرح الضرورة التاريخية المتزايدة إلحاحاً، لتجاوز مجمل النظام الرأسمالي العالمي القائم. ولا ينتمي كل هؤلاء إلى المعسكر المعادي للرأسمالية، بل يمثل بعضهم أوساطاً قيادية في النظام الرأسمالي القائم، كالرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي، على سبيل المثال، الذي دعا غداة انفجارها، إلى تغيير حقيقي، في بنية الرأسمالية المعاصرة. واللافت أن الأزمة المشار اليها قد أثارت كل هذه التداعيات، على الرغم من أنها لم تنبعث بصورة مفاجئة، كما حصل بالنسبة لأزمة الانهيار السوفياتي مثلاً. فقد سبق لعدد من الخبراء الاقتصاديين والمفكرين الاستراتيجيين أن حذروا من وقوعها، ومن بينهم جوزيف ستيغلتز أحد أقدر خبراء البنك الدولي. والمستغرب فعلاً، أن ادارة جورج دبليو بوش ومستشاريها ومراكز أبحاثها لم تلق بالاً لتلك التحذيرات، ولم تتخذ أي اجراءات احترازية للحد من أضرارها والتخفيف من وطأتها، وذلك بفعل عماها الأيديولوجي وعنادها السياسي، وعمق ارتباطها بالقوى المستفيدة من انفلات النهج الليبيرالي المتطرف. وقد زاد من الآثار السلبية للانهيار المالي الذي جرى، على الموقع الدولي للولايات المتحدة، كونه توج سلسلة من النكسات التي كانت قد أصابت ادارة جورج دبليو بوش، على المستويات العسكرية والسياسية والأخلاقية، على امتداد فترة سلطتها، وخاصة منذ غزو أفغانستان والعراق، مما أدى إلى افتتاح حقبة جديدة من تاريخ الولايات المتحدة والعالم، لن تقل أهمية تحولاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والاستراتيجية والثقافية، عن تلك التي أطلقها الانهيار السوفياتي، في مطلع تسعينيات القرن الماضي. ومن التداعيات الأولى لهذه الأزمة الاستثنائية، التي لم يعرف الأميركيون والعالم لها مثيلاً منذ عام 1929، حسب تعبير وزير الخزانة الاميركي، ليس فقط مضاعفة الصعوبات الأميركية في قيادة النظام الدولي، بل مفاقمة الاضطرابات المتزايدة التي تواجهها العولمة الرأسمالية المعاصرة، مما يؤكد أكثر فأكثر، صحة الاستنتاجات الماركسية الخاصة بطبيعة النظام الرأسمالي، وعجزه البنيوي عن التغلب على تناقضاته الجوهرية، أو التخلص من أزماته الدورية. هذه الحقيقة العلمية التي كان قد شابها بعض التشكك، خلال العقدين الماضيين اللذين سبقا الانهيار المالي الأخير. وقد شاع ذلك التشكك، بفعل الازدهار المؤقت و"التورم المرضي" الذي عرفه الاقتصاد الأميركي خلال تلك الحقبة من جهة، وانهيار الاشتراكية المتحققة الذي تزامن معه، من جهة أخرى. ولكن الانكشاف الراهن لهشاشة "الاستثناء" الأميركي، وبداية تشقق البناء الامبراطوري الذي شيدته الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، أعاد الأمور إلى نصابها على صعيد التنافس التاريخي بين الرأسمالية والاشتراكية، وأطلق دورة جديدة من الصراع الاجتماعي والأيديولوجي والسياسي الشامل، كما أعاد مهمة تغيير العالم إلى جدول أعمال التاريخ. وهذا كله، سيحفز ديناميات اقتصادية وسياسية واستراتيجية غير مسبوقة، ستحدد صورة العالم خلال العقود القادمة. وقد بدأت تظهر منذ الآن، بوادر عودة التوازن إلى الواقع الدولي، الذي كان طوال العقدين السابقين مجرد طموح مشروع، لا أكثر. وسيفسح ذلك في المجال، للحد من الأضرار الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي تسبب بها انفلات الليبيرالية - المتطرفة طيلة المرحلة التي تلت الانهيار السوفياتي. هذا الانفلات الذي أدخل العالم في سلسلة من التوترات والصراعات والحروب الأمنية والعسكرية أزهقت أرواح مئات الألوف، وأدى إلى تهميش وافقار ملايين الكادحين والمنتجين على امتداد الكرة الأرضية. وقد بات لجم تلك السياسات الليبيرالية المتطرفة الآن ممكناً على الصعيد العملي، بعد أن كان ضرورياً على المستوى النظري فحسب. بل أكثر من ذلك، بات ايقافها ممراً إجبارياً من أجل وضع حد للتوترات والمواجهات المتناسلة، ومن أجل ضمان استقرار النظام الرأسمالي ذاته، ووقف انزلاقه باتجاه الفوضى الشاملة. فالصراعات والحروب التي استعرت، خاصة على مستوى منطقتنا العربية والإسلامية، تحت شعار "الحرب المفتوحة على الإرهاب"، لم تكن بعيدة عن هيمنة الأفكار الليبيرالية المتطرفة. لذا صار من واجب العالم، التطلع إلى تجاوز هذه الأفكار شبه الفاشية، للخروج من دوامة العنف المفتوحة. فقد جعلت العالم أكثر اضطراباً وركوداً وتسلطاً، وأقل ديموقراطية وعدالة. وما يؤكد أن ذلك بات ممكناً، ما أظهرته نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة التي عاقبت تلك القيادات، وأعادت الحزب الديموقراطي إلى السلطة، ونقاشات (قمة الدول العشرين) في واشنطن، ومقترحات القمة الأوروبية، وقرارات قمة شرق آسيا التي جرت كلها خلال خريف 2008، وشارك فيها قادة الصين واليابان وكوريا الجنوبية، وكذلك تصريحات بعض القادة الأوروبيين ومنهم الرئيس الروسي ميدفيديف والرئيس الفرنسي ساركوزي، والآراء المعلنة للعديد من قادة العالم ومفكريه الرسميين وغير الرسميين، اضافة إلى حركات الاحتجاج الشعبية التي تتصاعد في مختلف أنحاء العالم. كل ذلك يؤكد بشكل واضح، الرغبة بتغيير النهج الذي سارت عليه الولايات المتحدة والعالم منذ تسعينيات القرن الماضي. فالصراعات والصدامات التي شهدها العالم منذ تسعينيات القرن العشرين لم تكن كلها من مخلفات الحرب الباردة، بين الشرق السوفياتي والغرب الأطلسي. ولم تكن أيضاً، بقايا "ما قبل نهاية التاريخ"، ومخاض انتصار الديموقراطية الغربية، كما توهم فوكوياما. وليست كذلك، الصدامات الأولى لحروب الحضارات، كما تخيل صمويل هنتنغتون. لقد كانت التعبير العنيف عن حقائق القوة الاميركية من جهة، والترجمة المحزنة لمفاهيم وطروحات مفكري الليبيرالية المتطرفة من جهة أخرى. وبصورة أكثر مباشرة، كانت الحصيلة العملية للاستراتيجية التي اختارها قادة الولايات المتحدة ومحافظوها الجدد وحلفاؤهم، لتثبيت الهيمنة الامبراطورية على العالم، وفرض نموذج رأسمالي متوحش عليه، وفق أسوأ المفاهيم والتقاليد الأنغلوساكسونية. ولكن اعتماد تلك الاستراتيجية بالذات، كان دليلاً على اقتراب نهاية العصر الأميركي، وبروز أولى ملامح أفوله، كما سبق وتوقع المفكر والكاتب الفرنسي امانويال تود في كتابه (ما بعد الامبراطوية) الصادر في نهاية تسعينيات القرن الماضي، حيث رأى تود أن تخلي نخب الامبراطورية الأميركية عن "قوتها الناعمة" لصالح قوتها الخشنة، ليس دليل تفاؤل باستمرار الصعود، بل دليل خوف من تراجع وشيك. ولكن أياً تكن أسباب هذا التحول الأميركي نحو المزيد من العنف الداخلي والخارجي، فقد ساهم في اطلاق تبدلات اقتصادية وسياسية وأمنية وعسكرية وثقافية متواصلة على النطاق العالمي، طرحت ولا تزال على القادة والمفكرين والمحللين، الكثير من الأسئلة والتحديات التي لم تلق بعد اجابات حاسمة. ولكن على الرغم من التباينات الكبيرة في وجهات نظرهم، فان المفكرين والسياسيين، يبدون مجمعين على عمق هذه التغيرات والتحولات التي كانت قد انطلقت قبل نهايات القرن السابق، وزاد من سرعتها النهج الذي اعتمدته ادارة جورج دبليو بوش، مما دعا الكثيرين لاعتبارها بمثابة زلزال عالمي جيوستراتيجي واقتصادي-اجتماعي وثقافي كبير، غير العالم وسيغيره أكثر مستقبلاً. فخلال الفترة المذكورة، تفككت دول ومحاور، وتشكلت دول ومحاور أخرى. سقطت نظم وقامت نظم بديلة.


