كتاب " سيكولوجية الإشاعة رؤية قرآنية " ، تأليف حسين السعيد ، والذي صدر عن دار دجلة ناشرون وموزعون ،
أنت هنا
قراءة كتاب سيكولوجية الإشاعة رؤية قرآنية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
أشكالها.. وسيكولوجيتها
تقسم الإشاعة إلى أشكال متعددة، فهناك الإشاعة التي تنتقل ببطء من شخص إلى آخر، والإشاعة التي تنطلق بضجة فتصل إلى أسماع عدد كبير من الناس خلال فترة زمنية قصيرة، وتكثر في الكوارث وعند الانتصارات أو الهزائم الساحقة، والإشاعة التي يُطلق عليها تسمية الإشاعة الغائصة أي أنها تروج في البداية ثم تختفي لتظهر ثانية عندما تتاح لها فرصة للظهور.
ويمكن التمييز بين الإشاعة التي يطلقها العدو أو عملاؤه، والإشاعة التي تنطلق ذاتياً للتنفيس عن كبت شديد، أو للتظاهر بسعة الاطلاع والمعرفة، أو تفسير الأحداث بشكل خيالي يبرر التطورات والأحاسيس العنيفة.
وتتعرض الإشاعة إلى تحريف ناقليها فيسقطون بعض تفصيلاتها ويركزون على البعض الآخر، ويعطونها طابعاً مشوقاً يزيد من خطورتها وقدرتها على الإقناع[(]1).
وتوجد علاقة طردية بين شدّة الإشاعة ودرجة الصداقة وعلاقات الإلفة والمحبة التي تقوم بين الأفراد، حيث يسهل سريان الإشاعة عبر العلاقات والتفاعلات التي تقوم بين الأصدقاء والأقارب.
ومع أن الإشاعة تنتقل في المجتمع ككل إلاّ أنها تبدأ في إطار هذه العلاقات حيث يكون التفاعل على أشدّه[(]2).
ويمكن تقسيم الإشاعات على أساس دلالتها ودوافعها إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي: إشاعات الأحلام والأماني وإشاعات الكراهية والعداء ، وإشاعات الخوف[(]3).
ويلاحظ أن الإشاعات قد تنتج عن الخوف، خوف المواطنين، فهم يفتحون آذانهم لالتقاط الإشاعات التي قد يطلقها أناس أبرياء، أو جماعة من العملاء والمخربين والخونة.
وهنا نلاحظ علاقة الإشاعة وانتشارها بوجود الأقلّيات العرقية أو الدينية أو القومية أو سواها، وكيف تدور هذه الإشاعات حول هذه الأقلّيات وتتناولها وتهاجمها.
ولقد أُجري إحصاء في أمريكا عام 1942م، حيث دُرست ألف إشاعة فوجد أنها تتوزع كالتالي:
66٪ من الإشاعات كانت إشاعات عداء.
25٪ كانت إشاعات خوف.
2٪ كانت إشاعات تمني.
7٪ كانت إشاعات من أنواع مختلفة.
ولقد لوحظ أن إشاعات الخوف والتمني ما لبثت أن تغيّرت طبيعتها باقتراب النصر. على أن الملحوظ أن غالبية الإشاعات كانت من طبيعة افترائية شريرة وتعبّر عن عداء ضد هذه الجماعة أو تلك[(]1).
وقد توقف علماء النفس أمام (سيكولوجية الإشاعة)، وعزوا الأسباب الرئيسية لانتشارها إلى أنها تقوم بوظيفة مزدوجة؛ فهي تفسّر التوترات الانفعالية التي يستشعرها الأفراد وتنفّس عنها. ومعلوم أن التنفيس المادي والمعنوي يسبب تراخي التوتر، ويقود إلى الشعور بالراحة[(]2).
تبقى الإشارة إلى أن الإشاعة لا تنطلق كلها من حدث يحتاج إلى تفسير ،بل إن بعضها يولّد الحدث نفسه .وليس ثمة سبب في الواقع يمنع تسمية هذه الأخيرة بالإشاعات.ووفق التعريف الذي قيّد الإشاعة بالروايات، التي لا تستند إلى وقائع مثبتة، كشف عن حالة من الانحراف، فبدت الإشاعة أشبه بمرض عقلي يصيب المجتمع .ومن المثير للاهتمام أن مفردات طبية اُعتمدت في تحليل هذا النوع من الإشاعات ،نذكر منها على سبيل المثال؛ الجرثومة ،وعلم الأمراض، والمركز الناقل للعدوى،ومرحلة الاحتضان، ومرحلة الانتقال. فقد شُبهت الإشاعة هنا بمرض أو حتى ( بسرطان عقلي). وفي هذا السياق، صرّح كاتب المقال الافتتاحي في جريدة لوموند ( بيار فيانسون بونتي) بالآتي:( لم يسبق أن أُجِْرِيتْ معاينة أي شكل آخر من أمراض الرأي المعدية، التي تُصيب تحديداً الطبقة السياسية(...)؛مرض يمكن أن نطلق عليه تسمية ( الإشاعة السياسية).
يقول كابفيرير:(إن هذا المزيج بين الإشاعة والمرض، بل الجنون، يبدو منطقياً، لأن اعتبار الإشاعة مجرد معتقد تتناقله العامة، في ظل غياب الأسباب التي تسوّغ وجوده، يجعلها غير منطقية ، ويدرجها في خانة أعراض (الجنون)، أي المرادف الاجتماعي للهذيان.وبناءً عليه ، لا يمكن تفسير الإشاعة إلاّ من خلال الطب النفسي.وإذا كان الناس يصدقون الإشاعة ، فهذا معناه أنهم مجانين.
والجدير ذكره هنا أن التحليل النفسي للإشاعة ينطوي على منفعة عملية مهمة، خصوصاً أنه يسمح باستنزال اللعنة، على أولئك الذين لا يفكرون (مثلنا)، أو لا يؤيدون (الحقيقة الرسمية). ولا يمكن في الواقع لومهم إذا لم يصدقوها ؛ فهم يرزحون تحت وطأة الهذيان[(]1).
من المفيد التذكير،هنا، بفكرتين ذائعتين متصلتين بهذا الموضوع؛ أولاهما أن النساء تحديداً يملن إلى تناقل الإشاعات، وثانيتهما أن طبقة المثقفين تضطلع على الدوام بدور المقاوم[(]2).


