أنت هنا

قراءة كتاب سيكولوجية الإشاعة رؤية قرآنية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
سيكولوجية الإشاعة رؤية قرآنية

سيكولوجية الإشاعة رؤية قرآنية

كتاب " سيكولوجية الإشاعة رؤية قرآنية " ، تأليف حسين السعيد ، والذي صدر عن دار دجلة ناشرون وموزعون ،

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 10

معركة أحد.. نموذجاً-

كان يوم أُحد يوم السبت للنصف من شوّال[(]1) سنة ثلاث من الهجرة.

وكانت واقعة أُحد من أهم الوقائع الإسلامية الحربيّة التي عاش المسلمون فيها حالة النصر، كأفضل ما يكون النصر، ثم حولوها إلى هزيمة بفعل الممارسات الخاطئة ،التي انحرف فيها الكثير من المقاتلين عن الهدف الذي يفرض عليهم الانضباط، فيما تقتضيه خطة الحرب من مواقع ومواقف[(]2)..

وبهذا يمكن القول: إن غزوة أحد لم تكن معركة في الميدان وحده، إنما كانت معركة كذلك في الضمير. كانت معركة ميدانها أوسع الميادين؛ لأن ميدان القتال فيها لم يكن إلاّ جانباً واحداً من ميدانها الهائل الذي دارت فيه، ميدان النفس البشرية، وتصوراتها ومشاعرها، وأطماعها وشهواتها، ودوافعها وكوابحها على العموم، وكان القرآن هناك، يعالج هذه النفس بألطف وأعمق، وبأفضل وأشمل ما يعالج المحاربون أقرانهم في النزال[(]3).

وكانت موقعة أحد فرصة سانحة، لكي يعالج القرآن فيها كثيراً من الجوانب الإنسانية المتحركة في المعركة، ويثير كثيراً من الأجواء بكل ما حفلت به المعركة من نقاط الضعف والقوّة، لتثير في وعي المسلمين الكثير من المفاهيم الإسلامية المتعلّقة بحركة المعركة وموقع القيادة في خط السير، ومدى تأثير وجودها وغيابها في موضوع الالتزام بالمسيرة، والاستمرار على المبدأ، ويتابع المسلمين في المعركة وهم يتأملون ويخالفون ويندفعون ويواجهون الأعداء وينهزمون أمامهم، ولاحظ كيف تتحكم بهم جوانب الضعف البشري، ووقف معهم ليدفعهم إلى مواجهتها بشجاعة المؤمن الذي يعترف بها بصراحة، في محاولة لتحويلها إلى نقاط قوة بالجهد والإيمان والمعاناة، وأعطانا درساً عملياً في التأكيد على الجانب السلبي في الشخصية التاريخية بالقوة نفسها التي تؤكد على الجانب الإيجابي فيها، على أساس الواقعية الإنسانية في الإنسان، وعدم إغفال الضعف في التجربة الحيّة؛ بحجة أن ذلك يسيء إلى قداسة التاريخ وعظمة أبطاله[(]1).

وكانت هذه الحصيلة الضخمة التي استقرت في الجماعة المسلمة، من وراء الأحداث، ومن وراء التوجيهات القرآنية بعد الأحداث أكبر وأخطر، بما لا يقاس في حصيلة النصر والغنيمة، ولا قيمة ولا وزن في نظر الإسلام للانتصار العسكري أو السياسي أو الاقتصادي ما لم يقم هذا كله على أساس المنهج الرباني، في الانتصار على النفس، والغلبة على الهوى، والفوز على الشهوة، وتقرير الحق الذي أراده الله في حياة الناس؛ ليكون كل نصر نصراً لله ولمنهج الله، وليكون كل جهد في سبيل الله ومنهج الله، وإلاّ فهي جاهلية، تنتصر على جاهلية[(]2).

ومن بين جوانب المعركة، تبرز الإشاعة كأحد أخطر الأسلحة التي استخدمها المشركون ضد المسلمين.

ولو قُدّر لتلك الإشاعة أن تحقق كامل أهدافها لمنُي المسلمون بهزيمة مروّعة ، ولهُدّدت دولة الإسلام الفتيّة يومذاك من الأساس.

والمسألة باختصار شديد:

كانت الدولة أول النهار للمسلمين على الكفار، حيث قُتل من هؤلاء سبعون من صناديدهم، وانهزم أعداء الله وولوا مدبرين، حتى انتهوا إلى نسائهم. وحتى شمّرت النساء ثيابهنّ عن أرجلهن هاربات! فلمّا رأى الرماة هزيمة المشركين وانكشافهم، تركوا مراكزهم التي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يبرحوها، وقالوا: الغنيمة! الغنيمة! فذكرهم أميرهم عهد رسول الله e، فلم يسمعوا، وظنوا أن ليس للمشركين رجعة! فذهبوا في طلب الغنيمة، وأخلوا الثغر في أحد!.

عندئذ أدركها خالد (بن الوليد) فكرّ في خيل المشركين، فوجدوا الثغر خالياً فاحتلوه من خلف ظهور المسلمين. وأقبل المنهزمون من المشركين حين رأوا خالداً والفرسان قد علوا المسلمين، فأحاطوا بهم!.

وانقلبت المعركة، فدارت الدائرة على المسلمين، ووقع الهرج والمرج في الصف، واستولى الاضطراب والذعر، لهول المفاجأة التي لم يتوقعها أحد. وكثر القتل واستشهد من المسلمين مَنْ كتب الله له الشهادة.

وخلص المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أفرد إلاّ من نفر يعدون على الأصابع، قاتلوا عنه حتى قتلوا ،وقد جرح وجهه صلى الله عليه وسلم ، وكسرت سنه الرباعيّة اليمنى في الفك الأسفل، وهشمت البيضة على رأسه، ورماه المشركون بالحجارة حتى وقع لجنبه، وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق قد حفرها وغطّاها! يكيد بها للمسلمين، وغاصت حلقتان من حلق المغفر في وجنته.

وفي وسط هذا الهول المحيط بالمسلمين صاح صائح: إن محمداً قُتل. فكانت الطامة التي هدّت ما بقي من قواهم، فانقلبوا على أعقابهم مهزومين هزيمة منكرة، لا يحاولون قتالاً، ممّا أصابهم من اليأس والكلال[(]1).

قال ابن عباس، وقتادة، والضحّاك، ومجاهد: إنه لما أرجف بأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم أُحد وأشيع ذلك، قال ناس: لو كان نبياً ما قتل. وقال آخرون: نقاتل على ما قاتل عليه حتى نلحق به[(]2).

وحدثت البلبلة والارتباك، وانكفأ الناس عن النبي محمدصلى الله عليه وسلموما بقي معه إلاّ قليل، وقال البعض: ليتنا نجد من يأخذ لنا الأمان من أبي سفيان! وقال آخرون: لو كان محمد نبياً لما قتل، الحقوا بدينكم الأول، كما يروي المؤرخون ذلك وغيره، في الخط السلبي للقضية.

أمّا في الخط الإيجابي الذي يمثّل الثبات على الإسلام، حتى في غياب الرسول القائد ، فتمثّله لنا القصّة التي ينقلها الطبري في تفسيره: إن رجلاً من المهاجرين مرّ برجل من الأنصار يتشحّط في دمه، فقال للأنصاري أعلمتَ أن محمداً قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلّغ، فقاتلوا عن دينكم .

وفي رواية أخرى - يرويها الطبري أيضاً - أن أنس بن النضر مرّ بعمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال أنس: ما يجلسكم؟

قالوا: قتل محمد.

قال: إن كان قد قتل محمد فإن ربّ محمد لم يُقتل، وما تصنعون بالحياة بعده، فقاتلوا على ما قاتل عليه، موتوا على ما مات عليه.

ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك ممّا قال هؤلاء، وأبرأ إليك ممّا جاؤوا به. ثم شدّ بسيفه فقاتل، حتى قتل رضوان الله عليه[(]1).

وكان أصل هذه الشائعة أن مصعب بن عمير كان يقاتل دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين انكشف المسلمون حتى قتُل، وكان الذي قتله ابن قمئة الليثي، وهو يظن أنه رسول الله e فرجع إلى قريش وقال: قتلت محمداً.

ويبدو أن شائعة قتل النبي صلى الله عليه وسلم سرت على أفواه كثيرة، حتى إن أبا سفيان قائد المشركين، حين أراد الانصراف بعد انتهاء المعركة، رأى أن يتحقق من تلك الشائعة، وهي قتل محمد e فأشرف على الجبل، وطلب من عمر بن الخطاب أن يأتيه، ليعرف الحقيقة منه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: (آتيه فانظر ما شأنه).

فجاءه، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمداً؟

قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن.

قال: أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبرّ، وهو الذي زعم أنه قتل النبي صلى الله عليه وسلم .

ومن الواضح أن تلك الشائعة التي قامت على خبر غير متثبّت من صحته، وسرت بسرعة بين المسلمين والمشركين على السواء، حيث توهم ابن قمئة، حين قتل مصعب بن عمير، أنه قتل رسول الله e، ثم أشاع هذا الوهم لما يعلم من أثر ذلك في تحطيم قوى المسلمين المعنوية، وتثبيطهم وتخذيلهم لو شاع بينهم. وبالفعل تحقق لـــه بعض ما أراد، حيث صدقها المسلمون والمشركون على السواء؛ لأن النفوس كما قلنا، في أوقات الحروب مستعدة لتصديق كل ما يُشاع في أمثال هذه الأوقات.

لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك هذه الشائعة تسري بين المسلمين دون أن يتصدى لها ويقاومها، ويظهر بطلانها وزيفها، ووجد أن أمضى سلاح لذلك هو أن يظهر بشخصه حتى يراه الجميع وتخمد الشائعة، لذلك أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيح بالمؤمنين: (إليّ عباد الله.. إليّ عباد الله).

فاجتمع إليه نحو ثلاثين رجلاً، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو المسلمين إليه، واستطاع بالرجال القلائل الذين معه أن يصعد فوق الجبل، فانحازت إليه الطائفة التي اعتصمت بالصخرة وقت الفرار، وفرح النبي صلى الله عليه وسلم بأن وجد بقيّة من رجاله يمتنع بهم، بعد أن قاوم تلك الشائعة وأخمدها، وعاد هؤلاء المسلمون، إذ وجدوا رسول الله’ حيّاً، وهم يحسبونه قد مات.

وممّا أنزل الله سبحانه وتعالى في (أُحد) من القرآن، في صدد هذه الشائعة - وهي شائعة قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى يعاتب المسلمين الذين سقط في أيديهم، وانكسرت همتهم، وتركوا المعركة يائسين، لما أُشيع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مات:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ}[(]1).

فهذه الحادثة التي أذهلت المسلمين هذا الذهول يتخذها القرآن مادة للتوجيه، ويجعلها محوراً لإشارات موحية[(]1).

أولاًً: غياب القيادة وحضور الرسالة:

حول هذه النقطة يقرر السيد محمد حسين فضل الله: في هذه الآية تأكيد قرآني على أحد المبادئ الإسلامية الإيمانية، وهو أن غياب القيادة، مهما كانت عظيمة، لا يوقف المسيرة ولا يلغي الرسالة - المبدأ؛ لأن عظمة القائد في حساب الرسالات لا تنتهي بانتهاء حياته، بل تمثّل بدلاً من ذلك خطوة أولى نحو الانطلاقة المستمرة في الدرب الطويل، ومرحلة متقدمة من مراحل العمل، ثم تتبع الخطوة خطوات على الطريق وتنطلق المراحل الجديدة على درب المرحلة القديمة.

فالرسالة هي الأصل والقاعدة.. والقيادات المتتابعة تمثل دور الحَمَلة لها، فقيمتهم بمقدار ما يقدمون لها من خدمات وتضحيات، وعظمتهم بقدر ما يواجهونه من مواقف الصدق والإخلاص.. الأمر الذي يلغي من المسيرة عبادة الشخصية التي توحي بأن الشخص هو الأساس، والرسالة شأن من شؤونه، وميزة من ميزاته، وليس الأمر بالعكس.

وهكذ نجد القاعدة الإسلامية التي تربط الإنسان المؤمن بالرسالة، ولا تربطه بالشخص إلاّ من خلال الرسالة، فلا تموت الرسالة بموته.. ممثلة في بعض النماذج المؤمنة في ذلك الوقت[(]2).

ثانياًً: الارتداد:

بعد تقرير هذه الحقيقة والتأكيد عليها، ينتقل النص إلى استنكار انقلاب البعض على عقبيه: {أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}.

ليعقب هذا الاستنكار تهديد صريح: {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا}.

وفي التعبير تصوير حي للارتداد: {انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ..} {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ}.

فهذه الحركة الحسّية في الانقلاب تجسّم معنى الارتداد عن هذه العقيدة كأنه منظر مشهود. والمقصود أصلاً ليس حركة الارتداد الحسيّة بالهزيمة في المعركة، ولكن حركة الارتداد النفسية التي صاحبتها، حينما هتف الهاتف:( إن محمداً قد قُتل). فأحسّ بعض المسلمين أن لا جدوى إذن من قتال المشركين، وبموت محمد انتهى أمر هذا الدين، وانتهى أمر الجهاد للمشركين!

فهذه الحركة النفسية يجسّمها التعبير هنا، فيصورها حركة ارتداد على الأعقاب، كارتدادهم في المعركة على الأعقاب! وهذا هو الذي حذرهم إيّاه النضر بن أنس، وكأنّما أراد الله سبحانه بهذه الحادثة، وبهذه الآية، أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد بشخص النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي بينهم، وأن يصلهم مباشرة بالنبع. النبع الذي لم يفجره محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكن جاء فقط ليومي إليه، ويدعو البشر إلى فيضه المتدفق، كما أومأ إليه الرسل من قبل، ودعوا القافلة إلى الارتواء منه!.

وكأنما كان الله سبحانه يعدّ الجماعة المسلمة لتلقي هذه الصدمة الكبرى حين تقع، وهو سبحانه يعلم أن وقعها عليهم يكاد يتجاوز طاقتهم. فشاء أن يدربهم عليها هذا التدريب، وأن يصلهم به، وبدعوته الباقية قبل أن يستبد بهم الدهشة والذهول[(]1).

ثالثاًًً: شكر السائرين على الخط:

بعد أن أكدت الآية الكريمة مبدأ أن الذي ينقلب على عقبيه، بعد موت الرسول سوف يضرّ نفسه ولن يضر الله شيئاً، لأن رسالات الله لا تتوقف أو تتجمد عند كفر كافر، أو انحراف منحرف مهما كان دوره، ومهما كانت درجته وطبقته.

ثم انعطفت الآية إلى السائرين على خط الحق، فاعتبرت ذلك شكراً لله كما يجب أن يشكر وهو ما يمثّله الشكر العملي الذي يتحوّل إلى موقف للعمل، ولا يظل مجرد كلمة تتحرك في الشفاه، ووعدت هؤلاء بأن الله سيجزيهم على ذلك جزاءً موفوراً[(]1).

الصفحات