كتاب " زهر البنفسج , زهر الرغبة " ، تأليف أنا كلافيل ، ترجمة رنا الموسوي ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر
أنت هنا
قراءة كتاب زهر البنفسج , زهر الرغبة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
لم تكن دمى «ال؟يوليت» منحرفات منذ البداية. فبوجهها الطفولي وجسمها الذي لم يبلغ بعد، والشبيهة بالأميرات بثيابها الصارمة وشعرها المرفوع أو بالفتيات «على الموضة» بتنانيرها القصيرة جداً وشعرها المنفوش، كانت دمى «ال؟يوليت» الأولى في منتهى الكمال، تؤدي على أحسن وجه دور الفتيات الناضجات والمهذبات. ولم يكن في البلاد قط دمى مثلها قادرة على منافسة الدمى الأجنبية التي كانت بدأت تجتاح السوق المحلية.
وفي معرض الدفاع عن نفسي، أقول إن اسم الدمى كان فكرة إيلينا نفسها، فهي لطالما حلمت أن تسمي ابنتها الأولى «؟يوليتا»، إكراماً لذكى صديقة طفولة؛ فالصداقة بين النساء حين تكون حقيقية، تتجلى في إخلاص عميق وروابط قوية جداً. بالطبع أنا لم أعرف قط ؟يوليتا تلك، التي كانت طفلة فاتنة تشاركت وزوجتي في الألعاب والقصاصات، وكانت تظهر إلى جانبها في إحدى الصور بالأبيض والأسود التي كانت تحتفظ بها إيلينا مثل كنز ثمين في علبة من خشب «الاولينالا» ـ وهي من الأشياء القليلة التي أخذتها معها حين تركت المنزل. في تلك الصورة، تبدوان متنكرتين بزي الجنيات على نحو يبرز جسدهما النحيف، وكان ؟يوليتا التي لم أعرفها وحبيبتي إيلينا صورة مزدوجة عن حيوية بالغة: وكأنهما جروان جائعان على وشك الوثب للاستمتاع بآخر دفعة من السكاكر والمداعبات.
ربما لذلك أيضاً قررت في عز شبابها أن البنفسجي هو لون شغفها الليلي، وإن غيرت رأيها لاحقاً مع تبدل الرياح. لم نكن قد التقينا بعد وكانت من قراء الشاعر بابلو نيرودا. «من كثرة الحب تخضبت حياتي باللون البنفسجي»... همست تلك الأبيات في إحدى الأمسيات حين كنت واضعاً رأسي على بطنها العاري، يوم كانت لا تسمح لي بامتلاكها، إلّا عبر النظرات. وكانت تقول لي بلهجة لعوب: «احتفظ ببذرتك كالكنز، إلى حين تزرع في أحشائي زهرات بنفسج».
حين أطلقنا في السوق أول مجموعة من دمى «ال؟يوليت»، كنا متزوجين منذ سنتين، لكن على الرغم من محاولاتها، لم تستطع أن تحلم بطفل حتى ذاك الحين. وبسبب حاجتها الملحة لمنح الحنان، استسلمت للواقع على طريقتها فأطلقت اسم «ال؟يوليت» على كل دمية جديدة في المعمل، ثم صممت مع كلاوس نماذج دمى فتيّة وثيابها. كانت العلب ذات الواجهة الزجاجية أيضاً فكرتها هي، إذ وضعنا كل دمية في ذاك الديكور المصغر المتبدل: في المدرسة وعلى الشاطىء وفي مدينة الملاهي وفي الحفلة وفي رحلة إلى البندقية... كنت أنا وكلاوس ننظر إليها وهي تلعب بالدمى كفتاة صغيرة، وكأنها بقيت طفلة وأصبحت امرأة رغماً عنها. كانت تعطف على إيزابيل، صاحبة النزوات التي لم تتقبل خسارة شقيقتها ـ ولا خسارة خطيب شقيقتها، حبيبها الحقيقي ـ، وتهتم بكلاوس وبي طبعاً، كأنها تؤدي دور الأم المتفانية، في مزيج من الصدق والتمثيل تماماً كما يلعب الأطفال. هذا التصرف أيقظ في داخلي إدراكاً يقينياً بأننا مرتبطان وتائهان لدرجة الشعور بضعف شديد يسميه الكثيرون عادة الحب، دون إدراك تبعات هذه العادة.
فحين ارتمت إيلينا في حضني في إحدى الليالي، وقالت لي إن «؟يوليتا» صغيرة تنمو في أحشائها ـ هي لم تشك يوماً في جنس الجنين ـ انتابني شعور مبهم، إنما أكيد، بأن سعادتها مرتبطة بكارثة. ضممتها إلى صدري مستشعراً بأنه سيكون عليّ التخلي عنها بعد فترة قصيرة. تخيّلت بطنها الغريب المنتفخ بفعل جنيّ شرير وتمنيت لو أعاقبها، لو أخترق تلك البشرة المنتفخة المحبوكة بالدماء والأنسجة، وأقضي على تلك البصلة الترابية التي كانت تحتضن هلاكي. وفي أحلامي، كنت أنفذ ما لم أكن أجرؤ على فعله في حالة اليقظة.
اضطررت طبعاً إلى أن أخفي عن إيلينا كم كان فرحها يؤلمني. لكن مع تنامي فرحها الذي كان يؤذيني، عجزت عن إشاحة النظر، برغم شعوري بأن في هذا البطن الذي أحبه والذي يمتلىء يوماً بعد يوم بابتسامة عريضة ومنتصرة، كانت «؟يوليتا» الجديدة، المجردة بعد من العينين، والغارقة في طهارة شرنقتها، تنظر إليّ بحنان وضعف وإثارة.


