أنت هنا

قراءة كتاب زهر البنفسج , زهر الرغبة

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
زهر البنفسج , زهر الرغبة

زهر البنفسج , زهر الرغبة

كتاب " زهر البنفسج , زهر الرغبة  " ، تأليف أنا كلافيل ، ترجمة رنا الموسوي ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 1

الفصل الأول

كل من انحنى فوق بئر رغباته يعرف ذلك. أو كل من تأمل تلك الصور لدمى معذبة ومقيدة، تعرض جسدها اليافع والسجين لنظرات الرجل المتربص في الظل. أقصد أنه يمكن للمرء أيضاً النظر إلى الخارج ورؤية صورة جسد مقيّد لا وجه له، فيتذكر بوضوح شعوراً خبره: إنه الإغراء الذي يطلق العنان لرغبات يستحيل البوح بها، رغبات تجرفه إلى هاوية يصعب سبرها. فحين نعرف الشهوة، يُحكَم علينا، بأننا عاجلاً أو آجلاً، سنسعى إلى إرواء هذا العطش، لنشعر به مجدداً في ما بعد.

الآن وقد حصل ما حصل، وفيما تضمحل حياتي مثل غرفة كانت يوماً تغص بالنور ثم تآكلتها العتمة ـ أو كغرفة اجتاحها فجأة نور يعمي البصر ـ أدرك أن كل الفلاسفة والمفكرين الذين بحثوا عن أمثلة لشرح اللامعنى لوجودنا على الأرض، قد نسوا الحديث عن شخصية «تانتاليس» في الميثولوجيا الإغريقية، المشتهي للتفاحة على الدوام لكنه لا يلمسها إلّا بطرف لسانه من دون أن يتمكن من أكلها.

أعترف أنه لدى سماع قصة «تانتاليس»، شعرت كمراهق بالاضطراب وأنا أجلس في الصف في تلك الصبيحة الممطرة مصغياً إلى أستاذ التاريخ الذي كان لا يزال شاباً ورصيناً لدرجة كان يبدو مثل خرّيج أحد المعاهد الدينية.

وفي تلك الصبيحة الممطرة التي بدت وكأنها ضحية هذيان داخلي، نسي الأستاذ «انايا» أنه وعدنا المرة الماضية بإكمال حكاية حرب طروادة فأخذ يقص علينا، وبصوت يكاد لا يُسمع، أسطورة «تانتاليس»، ملك إقليم «فريجيا» الذي كان يهزأ بالآلهة، فقرر أسياد جبل «الاولمب» أن يعدوا له قصاصاً فريداً من نوعه: غُمِّس حتى رقبته في بحيرة نبتت إلى جانبها أشجار مثمرة، وكان يتلهب جوعاً وعطشاً، إذ كلما حاول الشرب، كانت المياه تنحسر وتفلت من شفتيه، وكلما أوشكت يده على بلوغ أغصان الأشجار المثمرة، كانت تلك تطول.

وفيما كان الأستاذ يروي لنا الأسطورة، كانت أصابع يده الموجودة دائماً في جيب المعطف الذي لم يخلعه تتلاعب بما يمكن اعتباره فتات خبز وهمي. أما نظراته، فكانت تذهب إلى أبعد من النوافذ المسيجة بشباك أشبه بالأسلاك الحديدية، وتبدو شاخصة في نقطة كان يصعب على الكثير من التلاميذ رؤيتها.

أما بالنسبة إلينا نحن الذين كنا نجلس على طول الحائط، فكان يكفي أن نستدير ونلتفت قليلاً في هذا الاتجاه لنعرف ما الذي يستحوذ على اهتمامه.

ففي آخر الملاعب، وتحديداً في ممر الأعمدة الممتد بين المرأب والحمامات، كانت ثلاث فتيات بلباسهن الصارم الخاص بصفوف الثانوية، يحاولن جرف المياه المتجمعة من جراء عطل في أحد المجارير، وكن يقمن بذلك بدافع اللهو أكثر مما هو للامتثال لقصاص يبدو أنه فرض عليهن.

وكن يتبللن بشعور من الفرح ويرتجفن من اللذة أكثر مما هو من البرد، لا سيما حين هجمت إحداهن على الأخريين بخرطوم المياه ورشتهما بضخات فجائية. لاأزال أذكر اسم تلك الفتاة التي كانت ترش صديقتيها بالماء: سوزانا غارمينديا.

الصفحات