كتاب " إنهيار جدار عرب المشرق " ، تأليف إبراهيم عبد الطالب ، والذي صدر عن دار زهران عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب إنهيار جدار عرب المشرق
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
إنهيار جدار عرب المشرق
رد الفعل الفارسي
لقد وصلت أنباء وتحركات جيش خالد إلى عاصمة الفرس في المدائن دون شك «بسبب منظومة المواصلات الرائعة المكونة من آلاف الرجال الجهيري الصوت الموزعين على مسافات مناسبة وعلى قدر وصول الصوت من قصر كسرى إلى مكان المعركة» مما يؤمن وصول أنباء المعركة إلى أسماع الإمبراطور الفارسي في قصره خلال ساعات، كما أن رسالة خالد إلى هرمز كانت في غاية الوضوح في مضمونها وغايتها، وقد أرسلها هرمز إلى المدائن لاطلاع قادته الآخرين وربما كسرى نفسه بمقدمات جيش التحرير العربي، إلا أن المحير، وبل وغير المعقول هنا، بطاءة رد الفعل الفارسي في معالجة هذا الخطر الوافد، فلو صدقنا الصورة التي يرسمها الجنرال أكرم للجيش الفارسي، بالإضافة إلى مكانة وأهمية الأبلة التي هي أحد أهم الموانئ الفارسية الرئيسية والقاعدة البرية للأسطول وهمزة الوصل مع الهند والخليج العربي، وقد أرسلت المدائن نجدات كافية وقادرة في الحساب العددي على دفع الخطر، إلا أنها لم تصل في الوقت المناسب، ولعلها آثرت السلامة والتحصن في منطقة (المذار) شمال البصرة على محور دجلة، وكأنها توقعت أن يسعى خالد إلى مقاتلتها بعد معركة كاظمة، ولو كان القائد الفارسي على درجة من العزم والكفاءة لعرف وبسهولة أن قوات خالد قد انقسمت بعد انتصارها في معركة كاظمة إلى عدة مجموعات مما كان سيسهّل على القائد الجديد «قارن» القضاء على تلك المجموعات كلاً على انفراد، وقد يعزى الأمر إلى اللامركزية في الحكم الفارسي والصلاحيات المعطاة إلى حكام الولايات والأقاليم، ولا اعتراض على اللامركزية، بل على التلهي والتشاغل بأعمال وإجراءات لا جدوى منها بدلاً عن إبداء الحزم المطلوب ولو بالحد الأدنى وبالشكل الذي يتناسب والموقف الناشئ، وهذا مما يؤكد سلامة التقدير العربي الإسلامي للموقف العام وحسن اختيار التوقيت والقادة لمهمات تحرير العراق.
المسلك غير المتوقع
المعروف في عمليات تقدير الموقف العسكري أن يتوصل القائد في النهاية إلى مسالك العمل المتاحة له ولعدوه، مع تحديد مزايا ومساوئ كل مسلك منها على انفراد وبالتالي القرار على المسلك الأفضل له من جهة والمسلك الأكثر احتمالاً للعدو، ومع ذلك وكقاعدة يتذكر القادة حكمة أو خلاصة تجارب طويلة مفادها أن لو كان للعدو أربعة مسالك عمل مفتوحة فعلينا أن نتوقع اختياره للمسلك الخامس، أو المسلك غير المتوقع، وهذه إحدى القضايا المهمة في الحرب، فما من شيء أكيد أو مضمون كلياً، وهناك وعلى الدوام ما لم يكن في الحسبان (Uncertaintly)وهكذا على القائد أن يضع نفسه في مكان عدوه محاولاً أن ينظر إلى الأمور من وجهة نظر ذلك العدو محاولاً تصور طريقته في التفكير والتصرف وردود الفعل الأقرب إلى تفكيره وشخصيته(16)، إنها مهمة مفيدة للغاية ولكنها من أشد المهام صعوبة، وهي إحدى الركائز الأساسية للقائد في بناء فكرته أو تصميمه للمعركة. لقد كانت الأبلة الهدف الاستراتيجي لخالد وهو في اليمامة، والفكرة الأولية التي ترد إلى الذهن ـ وذهن الفرس بالذات ـ أن يسلك خالد المحور الأقصر (النباج ـ الكاظمة ـ الأبلة)، ولعدم رغبة هرمز بقبول المعركة في الأبلة لذا أثر خوضها في كاظمة وهو على اقتناع بالتقائه قوات خالد هناك ولم يحسب أن بوسع خالد غير ذلك، إلا أن هذا «عرف أن الفرس سيتوقعون تقدمه على الطريق المباشر من اليمامه إلى الأبلة عن طريق كاظمة وأنهم سيضعون خططهم الدفاعية طبقاً لذلك. فقرر خالد أن لا يسير على ذلك الطريق وأن يتقدم نحو الأبلة من جنوبها الغربي كي يتمكن من المناورة بحرية على محوري كاظمة والحفير(17)، فارضاً على الفرس بذلك مسيرات شاقة. لقد كان على هرمز أن يقرر مكان المعركة ودفع خالد إلى الانجذاب نحوها «فالجيوش كالمغناطيس، إنها تنجذب إلى بعضها البعض . .» إلا أن هرمز نفسه انقاد طائعاً إلى كاظمة لمجرد افتراضه أن سيلتقي خالداً هناك فأصبح وباختياره الفريسة لا الصياد. وكان بوسع هرمز وبعد القرار على مكان المعركة الاكتفاء بمراقبة محوري كاظمة والحفير إما بمفارز خفيفة من الخيالة، أو بقوات قليلة وكافية لجر خالد وجيشه إلى حيث يريد هرمز لو كان هذا قائداً محنكاً وشجاعاً فعلاً كما يراه الجنرال أكرم.