يظل الحديث عن موضوعة الدولة الوطنية من اكثر الاحاديث اثارة للجدل واستدعاء للاسئلة، لان هذه الدولة لم تعد قرينة بحراك الجماعات التقليدية المهيمنة ومظاهر نشوئها التاريخية الملتبسة، بقدر ماأضحت قرينة بحراك سسيوسياسي اوسع، وبسيرورات تحمل معها مشروعها في التأصيل
أنت هنا
قراءة كتاب اشكالات الدولة الوطنية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 7
ان تفاقم مظاهر ازمة البحث عن سياقات صالحة وعاقلة وموضوعية لنموذج الدولة والحكم الصالح، ينعكس سلبا على التعاطي مع ماتثيره اشكالات الحديث حول ما يسمى بحوار الحضارات وحوار الثقافات او ما سماه مؤخرا رئيس وزراء اسبانيا (ثباترو) ب (تحالف الحضارات ) اذ ان علاقة الدولة وطبيعة الحكم فيه هو العتبة التي تعطي للتفاعل مع الدول الاخرى والحضارات والثقافات الاخرى القوة الاجرائية الفاعلة، خاصة وان مظاهر الصراع التي تأزمت الكثير من حلقاتها قد اقترنت بانماط معينة من الدول، وانماط معينة ايضا من الثقافات، اذ وضعت الكثير من مظاهر العنف في سياقات معقدة والى صناعة صراعات وازمات شوشت الكثير من المفاهيم والافكار التي اشاعتها الحداثة الغربية ذاتها، اذ اسهمت هذه الصناعة (الثقافوية ) الملتبسة في استحداث الاسباب التي تبرر اللجوء الى الارهاب السياسي والثقافي والديني كخطاب وقائي ودفاعي على مستوى بعض الدول والجماعات، وعلى مستوى الايديولوجيات والثقافات، لان تفاقم هذا الارهاب وتخندقه في مناطق معينة من العالم تعاني من ظروف سياسية واقتصادية قاهرة انتج نزعات وحركات واتجاهات تتبنى افكارا تخشى الذوبان في تهويمات الصراع السياسي وحساباته القائمة على اساس المصالح البحتة، فضلا عن فقدانها الاستعداد التقليدي-النفسي والايديولوجي- للاندماج او التماهي مع الدولة الامنية التقليدية والدولة الريعية بشروطها المعروفة للمعيش والحماية والانتظام السياسي في منظومة حكمها، بقطع النظر عن طبيعة هذه الدولة وهويتها، ان كانت ذات سياسات وتوجهات معينة، او مرجعيات تاريخية او دينية، لان هذه الجماعات او الدول التي تحتضنها ستكون فاقدة في الجوهر لاي توصيف يضمن اندماجها الحقيقي في المنظومة الدولية الجديدة، او حتى ان كانت دولة ذات شكل واطار دستوري وبنية اجتماعية واقتصادية متطورة، لكنها بالمقابل لاتؤمن بقيم المواطنة ولا بالتعددية و اليات الحكم الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة، وان حقوق الانسان (حقوق الحريات العامة وحقوق الرأي والصحافة ) فيها محكومة بحجم تواطئها مع السياق المهيمن للدولة.
هذا المنطق حدد اطار عاما للدولة، بانها السلطة والجماعات التي تندمج مع قوة السلطة، وهو ما افقد العديد من القوى الحية وذات المرجعيات الديمقراطية التي تشكلت كصور للمعارضات السياسية، وكذلك القوى السياسية المدنية في المنافي قدرتها على ان تكون جزء من قوى التغيير والمساهمة في مواجهة الاستبداد الطغيان السياسي ومركزياته في الحكم، فضلا عن هذه القوى بدأت تعيش هي الاخرى صراعاتها الداخلية في اطار ما استحدث من معطيات وخنادق سياسية، اذ سرعان ما سقطت هذه القوى في هوس الصراعات العميقة والتداعيات المعقدة لشروط التحولات السياسية السريعة وغير المسيطر عليها،والتي لم تستطع ان تجد نفسها الاّ امام اشكالات ماأثارته معطيات نظرية(التحدي والاستجابة) التي قالها ارنولد توينبي بما تفترضه من مواجهات وصراعات لكل الظروف الصعبة، وفي سياق البحث عن معادل موضوعي مابين منطوق هذه النظرية ومابين اعادة انتاج الدولة الجديدة باسبابها ووقائعها وقواها الفاعلة، واحسب ان تحول السياق الصراعي الى مستويات اكثر تعقيدا، وفقدان القوى التقليدية فاعليتها واستجابتها اعطى للعديد من القوى السرية، قوى ما قبل الدولة وما قبل الحداثة ان تكون هي العنصر الذي يفرض قوته واستجابته للتحديات التي ظلت عائمة بعيدا عن كل الاليات اللازمة والتي تناسب ضرورة التحول في السلطة وفي تنمية القوى الخلاقة التي تستوعب تناقضات صناعة الدولة الجديدة..
ان طبيعة هذه المفارقة وبروز العديد من المظاهر النكوصية يعكس في جوهر ازمة حقيقة في طبيعة هذه القوى، وطبيعة ايمانها بأثر تاريخ الفعالية الثقافية والايديولوجية، خاصة بين الكثير من قوى التنوير واليسار والعلمنة، وهشاشة قدرتها على مواجهة تحديات مرحلة مابعد انهيار اليسار الدولي الماركسي وقدرتها على تأمين شروط جديدة لتأسيس سياقات للوعي السياسي/الثقافي ورسم الاهداف وصناعة الفكر الفاعل وقدرته على ايجاد وتنمية وظيفة التحول من الثورة الى الدولة، حيث نجد ان اغلب هذه القوى لم تستطع ان تبرهن على حيوية هذا التحول وان تجد له المجالات الاجرائية وانشاء المؤسسات القادرة على القيام بهذه المهمة وتحدياتها ومسؤولياتها .


